الشنقيطي
224
أضواء البيان
كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في عدم قتلهم ، لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ، ولكن كان جهادهم بالقرآن لا يقل شدة عليهم من السيف ، لأنهم أصبحوا في خوف وذعر يحسبون كل صيحة عليهم ، وأصبحت قلوبهم خاوية كأنهم خشب مسندة ، وهذا أشد عليهم من الملاقاة بالسيف . والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : * ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ) * . أجمع المفسرون هنا على أن الخيانة ليست زوجية . وقال ابن عباس : نساء الأنبياء معصومات ، ولكنها خيانة دينية بعدم إسلامهن وإخبار أقوامهن بمن يؤمن مع أزواجهن ا ه . وقد يستأنس لقول ابن عباس هذا بتحريم التزوج من نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم بعده ، والتعليل له بأن ذلك يؤذيه ، كما في قوله تعالى : * ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذالِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً ) * . فإذا كان تساؤلهنّ بدون حجاب يؤذيه ، والزواج بهنّ من بعده عند الله عظيم ، فكيف إذا كان غير التساؤل وبغير الزواج ؟ إن مكانة الأنبياء عند الله أعظم من ذلك . وقوله تعالى : * ( فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ) * فيه بيان أن العلاقة الزوجية لا تنفع شيئاً مع الكفر ، وقد بين تعالى ما هو أهم من ذلك في عموم القرابات كقوله تعالى : * ( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ) * . وقوله : * ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ) * . وجعل الله هاتين المرأتين مثلاً للذين كفروا ، وهو شامل لجميع الأقارب كما قدمنا . وقد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في معرض محاضرة له الاستطراد في ذلك ، وذكر قصة هاتين المرأتين ، وقصة إبراهيم مع أبيه ونوح مع ولده ، فاستكمل جهات القرابات زوجة مع زوجها ، وولد مع والده ، ووالد مع ولده . وذكر حديث ( يا فاطمة اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ) . ثم قال : ليعلم المسلم أن أحداً لا يملك نفع أحد يوم القيامة ، ولو كان أقرب قريب