الشنقيطي
337
أضواء البيان
وذلك من وجهين . أحدهما : أن العمل بشهادة الشاهد أخذ بكتاب الله وسنة رسوله ، لأن الله يقول : * ( وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ ) * ويقول : * ( وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ ) * إلى غير ذلك من الآيات . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم القضاء بالشاهد واليمين في الأموال . وفي الحديث ( شاهداك أو يمينه ) وهو حديث صحيح . فالأخذ بشهادة الشاهد إذا من العمل بكتاب الله وسنة رسوله لا من التقليد لرجل واحد بعينه تقليداً أعمى . الوجه الثاني : أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه والمدرك بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه بخلاف الرأي ، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ظهر له من الرأي . ولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس ، وبين خبر التواتر المستند إلى عقل . فأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس . وأن الثاني لا يوجبه ، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان قدم العالم مقطوعاً به . لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا الله . مع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه . فالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم الذي هو من المعقولات لا من المحسوسات لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقيني فيه . فالشاهد إن أخبر عن محسوس ، وكان عدلاً ، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعاً لا يتطرق إليه الشك ، بخلاف المجتهد ، فإنه عدل أخبر عما ظنه ، فوضوح الفرق بين الأمرين كما ترى .