الشنقيطي
13
أضواء البيان
َ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ السَّبِيلِ ) * إلى قوله * ( قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * . وقوله * ( الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ ) * قال بعض أهل العلم : الفتون مصدر ، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول . وقال بعضهم : هو جمع فتنة . وقال الزمخشري في الكشاف * ( فُتُوناً ) * يجوز أن يكون مصدراً على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور . وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزه وبدرة أي فتناك ضروباً من الفتن . وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث ( الفتون ) ، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده . وهو حديث طويل يقتضي : أن الفتون يشمل كل ما جرى : على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره ، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير ، ومن أجل ذلك أُلقي في التابوت وقذف في اليم فألقاه اليم بالساحل . وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله . وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور . وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن ساق حديث الفتون بطوله : هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى . وأخرجه أبو جعفر بن جرير ، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به ، وهو موقوف من كلام ابن عباس ، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه ، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره . والله أعلم . وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي يقول ذلك أيضاً ا ه . قوله تعالى : * ( فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ ) * . السنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى : * ( قَالَ إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ) * وقد قدمنا في سورة ( مريم ) أنه أتم العشر ، وبينا دليل ذلك من السنة . وبه تعلم أن الأجل في قوله : * ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الاٌّ جَلَ ) * أنه عشر سنين لاثمان . وقال بعض أهل العلم : لبث موسى في مدين ثمان وعشرين سنة ، عشر منها مهر ابنة صهره ، وثمان عشرة أقامها هو اختياراً ، والله تعالى أعلم . وأظهر الأقوال في قوله تعالى : * ( ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يامُوسَى ) * أي جئت على القدر الذي قدرته وسبق في علمي أنك تجيء فيه فلم تتأخر عنه ولم تتقدم ، كما قال تعالى : * ( إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) * وقال : * ( وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) *