الشنقيطي
75
أضواء البيان
من محققي العلماء والحفاظ والنقاد . انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى ، وهو واضح جداً فيما ذكرنا . الأمر الثاني أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف . لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما . ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان . فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان ، ويتفق بذلك جميع الأدلة ، والعلم عند الله تعالى . ولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى : إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل لا يصح أن ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم . كما أوضحناه في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) . * ( وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا * مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الاٌّ خِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَائِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَاؤُلاءِ وَهَاؤُلاءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلاٌّ خِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً * لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً * وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلاٌّ وَّابِينَ غَفُوراً * وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) * قوله تعالى : * ( وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) * . في معنى قوله * ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) * في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير : الأول وهو الصواب الذي يشهد له القرآن ، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله * ( أَمْرُنَا ) * هو الأمر الذي هو ضد النهي ، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره . والمعنى : * ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) * بطاعة الله وتوحيده ، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به * ( فَفَسَقُواْ ) * أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم ، وعصوه وكذبوا رسله * ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) * أي وجب عليها الوعيد * ( فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) * أي أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً . وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم . وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة . كقوله : * ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ ) * . فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله * ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ ) * أي أمرناهم بالطاعة فعصوا . وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا . لأن الله لا يأمر بالفحشاء . ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى : * ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) * . فقوله في هذه الآية * ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ ) *