الشنقيطي

76

أضواء البيان

، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم : إنا بما أرسلتم به كافرون ، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم . والآيات بمثل ذلك كثيرة . وبهذا التحقيق تعلم : أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى * ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) * أي أمرناهم بالفسق ففسقوا . وأن هذا مجاز تنزيلاً لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك كلام كله ظاهر السقوط والبطلان . وقد أوضح إبطاله أبو حيان في ( البحر ) ، والرازي في تفسيره ، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه . وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف ، من قولهم : أمرته فعصاني . أي أمرته بالطاعة فعصى . وليس المعنى : أمرته بالعصيان كما لا يخفى . القول الثاني في الآية هو أن الأمر في قوله * ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) * أمر كوني قدري ، أي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له . لأن كلاً ميسر لما خلق له . والأمر الكوني القدري كقوله * ( وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) * ، وقوله : * ( قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) * ، وقوله * ( أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ ) * ، وقوله * ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) * . القول الثالث في الآية أن ( أَمَرْنَا ) بمعنى أكثرنا . أي أكثرنا مترفيهاً ففسقوا . وقال أبو عبيدة * ( أَمْرُنَا ) * بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد . ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير مال امرئ مهرة مأمورة ، أو سكة مأبورة ) . قال ابن كثير : قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه ( الغريب ) : المأمورة : كثيرة النسل . والسكة : الطريقة المصطفة من النخل . والمأبورة : من التأبير ، وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها . ومعلوم أن إتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على أن أمر بفتح الميم مجرداً عن الزوائد ، متعد بنفسه إلى المفعول . فيتضح كون أمره بمعنى أكثر . وأنكر غير واحد تعدى أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول وقالوا : حديث سويد بن هبيرة المذكور من قبيل الازدواج ، كقولهم : الغدايا والعشايا ، وكحديث ( ارجعن مأزورات غير مأجورات ) لأن الغدايا لا يجوز ، وإنما ساغ