الشنقيطي
70
أضواء البيان
من كونه في الدنيا . وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه . الوجه الثاني أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة . كقوله : * ( كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى ) * وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل . كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية . وأجابوا عن الوجه الثاني وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد بنفس الجوابين المذكورين آنفاً . لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن ، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه ، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا ، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح ، كما تقدم إيضاحه . وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي ، ومال إليه العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم بأنه قول باطل بلا شك . لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه ، لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل والقرآن ينفي هذا نفياً باتاً في آيات كثيرة . كقوله في ( يس ) : * ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) * و ( مَا ) في قوله * ( مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ ) * نافية على التحقيق ، لا موصولة ، وتدل لذلك الفاء في قوله * ( فَهُمْ غَافِلُونَ ) * ، وكقوله في ( القصص ) : * ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَاكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ) * ، وكقوله في ( سبأ ) * ( وَمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ ) * ، وكقوله في ( ألم السجدة ) : * ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . وأجابوا عن الوجه الرابع بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع ، وهو قوله : * ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) * ، وقوله : * ( كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى ) * ، ونحو ذلك من الآيات . وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضاً عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله : * ( وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَائِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) * ، إلى آخر ما تقدم