الشنقيطي
69
أضواء البيان
الآيات . إنما هو التعذيب الدنيوي . كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم موسى وأمثالهم . وإذاً فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة . ونسب هذا القول القرطبي ، وأبو حيان ، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور . والوجه الثاني أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله : * ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) * وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل . أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد . لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم ، الخالق الرازق ، النافع ، الضار . ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر . كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : * ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَاؤُلاءِ يَنطِقُونَ ) * وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده . لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر . كقوله * ( فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) * ، وقوله : * ( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) * ، وقوله : * ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند الله . مع أن العقل يقطع بنفي ذلك . الوجه الثالث أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم . كإبراهيم وغيره . وأن الحجة قائمة عليهم بذلك . وجزم بهذا النووي في شرح مسلم ، ومال إليه العبادي في ( الآيات البينات ) . الوجه الرابع ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار . كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره . وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة فأجابوا عن الوجه الأول ، وهو كون التعذيب في قوله : * ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) * إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين : الأول أنه خلاف ظاهر القرآن . لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقاً ، فهو أعم