الشنقيطي

44

أضواء البيان

أنها من دعوى الجاهلية فقد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية ) . وفي رواية في الصحيح : ( ليس منا من ضرب الخدود ، أو شق الجيوب ، أو دعا بدعوى الجاهلية ) ، وذلك صريح في أن من دعا تلك الدعوى ليس منا ، وهو دليل واضح على التحريم الشديد . ومما يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا ) هذا حديث صحيح ، أخرجه الإمام أحمد من طرق متعددة عن عتي بن ضمرة السعدي ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، وذكره صاحب الجامع الصغير بلفظ ( إذا سمعتم من يعتزي بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا ) وأشار لأنه أخرجه أحمد في المسند ، والنسائي وابن حبان ، والطبراني في الكبير ، والضياء المقدسي عن أُبي رضي الله عنه ، وجعل عليه علامة الصحة . وذكره أيضاً صاحب الجامع الصغير بلفظ ( إذا رأيتم الرجل يتعزى . . ) الخ ، وأشار إلى أنه أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي ، وجعل عليه علامة الصحة . وقال شارحه المناوي : ورواه عنه أيضاً الطبراني ، قال الهيتمي : ورجاله ثقات ، وقال شارحه العزيزي : هو حديث صحيح . وقال فيه الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني في كتابه ( كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ) قال النجم : رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله عنه . ومراده بالنجم : الشيخ محمد نجم الدين الغزي في كتابه المسمى ( إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن ) فانظر كيف سمى النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء ( عزاء الجاهلية ) وأمر أن يقال للداعي به ( اعضض على هن أبيك ) أي فرجه ، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكتابة . فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء ، وشدة بغض النَّبي صلى الله عليه وسلم له . واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية : أبو جهل ، وأبو لهب ، والوليد بن المغيرة ، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة . وقد بين تعالى تعصبهم لقوميتهم في آيات كثيرة . كقوله : * ( قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَآ ) * ، وقوله : * ( قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ) * ، وأمثال ذلك من الآيات . واعلم أنه لا خلاف بين العلماء كما ذكرنا آنفاً في منع النداء برابطة غير الإسلام . كالقوميات والعصبيات النسبية ، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من وَرائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية . فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي : أنه نداء