الشنقيطي

43

أضواء البيان

المهاجري : يا للمهاجرينا ! فسمَّعها الله رسوله قال : ( ما هذا ) ؟ فقالوا : كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : ( دعوها فإنها منتنة ) الحديث . فقول هذا الأنصاري : يا للأنصار ، وهذا المهاجري : يا للمهاجرين هو النداء بالقومية العصبية بعينه ، وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم : ( دعوها فإنها منتنة ) يقتضي وجوب ترك النداء بها . لأن قوله ( دعوها ) أمر صريح بتركها ، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما تقرر في الأصول . لأن الله يقول : * ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * ، ويقول لإبليس : * ( مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) * فدل على أن مخالفة الأمر معصية . وقال تعالى عن نبيِّه موسى في خطابه لأخيه : * ( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ) * فأطلق اسم المعصية على مخالفة الأمر : وقال تعالى : * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) * فدلت الآية على أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم مانع من الاختيار ، موجب للامتثال . لا سيما وقد أكد النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالترك بقوله : ( فإنها منتنة ) وحسبك بالنتن موجباً للتباعد لدلالته على الخبث البالغ . فدل هذا الحديث الصحيح على أن النداء برابطة القومية مخالف لما أمر به النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وأن فاعله يتعاطى المنتن ، ولا شك أن المنتن خبيث ، والله تعالى يقول : * ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ) * ، ويقول : * ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) * وحديث جابر هذا الذي قدمناه عن البخاري أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه قال رحمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة . وزهير بن حرب ، وأحمد بن عبدة الضبي ، وابن أبي عمر ، واللفظ لابن أبي شيبة قال ابن عبدة : أخبرنا وقال الآخرون : حدثنا سفيان بن عيينة قال : سمع عمرو جابر بن عبد الله يقول : كنَّا مع النَّبي في غزاةٍ ، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصارا وقال المهاجري : يا للمهاجرين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما بال دعوى الجاهلية ) ا قالوا : يا رسول الله ، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار . فقال : ( دعوها فإنها منتنة . ) الحديث . وقد عرفت وجه لدلالة هذا الحديث على التحريم ، مع أن في بعض رواياته الثابتة في الصحيح التصريح بأن دعوى الرجل : ( يا لبني فلان ) من دعوى الجاهلية . وإذا صح بذلك