الشنقيطي
456
أضواء البيان
الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خوْفٍ ) * فإن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن ، ورحلة الصيف كانت إلى الشام ، وكانت تأتيهم من كلتا الرحلتين أموال وأرزاق . ولذا أتبع الرحلتين بامتنانه عليهم : بأن أطعمهم من جوعٍ . وقوله في دعوة إبراهيم : * ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَاذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) * ، وقوله : * ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ ) * . وقوله : * ( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ) * ذكر نظيره عن أهل مكة في آيات كثيرة . كقوله : * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) * . وقد قدمنا طرفاً من ذلك في الكلام على قوله تعالى * ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ) * . وقوله : * ( فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) * وقع نظيره قطعاً لأهل مكة . لما لجوا في الكفر والعناد ، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ) فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء ، حتى أكلوا الجيف والعلهز ( وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه ) ، وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن . وذلك الخوف من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغزواته وبعوثه وسراياه . وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات . فقد فسر ابن مسعود آية ( الدخان ) بما يدل على ذلك . قال البخاري في صحيحه : باب * ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ) * فارتقب : فانتظر . حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : مضى خمس : الدخان ، والروم ، والقمر ، والبطشة ، واللزام . * ( يَغْشَى النَّاسَ هَاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * حدثنا يحيى ، حدثنا أبو معاوية . عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق قال : قال عبد الله : ( إنما كان هذا لأن قريشاً لما استعصوا على النَّبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف . فأصابهم قحط وجهد ، حتى أكلوا العظام . فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد . فأنزل الله تعالى * ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَاذَا