الحلبي
194
السيرة الحلبية
أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم أي تحت الشجرة فلما نظر بحيرا في القوم ولم ير الصفة أي لم ير في أحد منهم الصفة التي هي علامة للنبي المبعوث آخر الزمان التي يجدها عنده أي ولم ير الغمامة على أحد من القوم ورآها متخلفة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي فقالوا يا بحيرا ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الغلام معكم أي وقال فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم هو والله أوسطنا نسبا وهو ابن أخي هذا الرجل يعنون أبا طالب وهو من ولد عبد المطلب فقال رجل من قريش واللات والعزى إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه أي وجاء به وأجلسه مع القوم أي وذلك الرجل هو عمه الحارث بن عبد المطلب ولعله لم يقل هو ابن أخي مع كونه أسن من أبي طالب لأن أبا طالب كان شقيقا لأبيه عبد الله كما تقدم دون الحارث مع كون أبي طالب هو المقدم في الركب وقيل الذي جاء به صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقدمه ابن المحدث على ما قبله فليتأمل ولما سار به من احتضنه لم تزل الغمامة تسير على رأسه صلى الله عليه وسلم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته صلى الله عليه وسلم حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه صلى الله عليه وسلم بحيرا فقال له أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما أي وفي الشفاء أنه اختبره بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغض شيئا قط بعضهما فقال بحيرا فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته أي صفة النبي المبعوث آخر الزمان التي عنده أي ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة على الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم فقالت قريش إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي