ابن عبد البر

290

الاستذكار

إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا ويقال إن الحسد لا يكاد يسلم منه أحد فمن لم يحمله حسده على البغي لم يضره حسده وروينا عن الحسن البصري أنه قال ليس أحد من ولد آدم إلا وقد خلق معه الحسد فمن لم يجاوزه إلى الظلم والبغي لم يتبعه منه شيء وقد أشبعنا هذا المعنى بالآثار عن السلف في ذم الحسد وفضل من لم يحسد الناس في باب الزهري عن أنس في التمهيد وأما قوله ولا تدابروا فقد مضى تفسيره لمالك وغيره في هذا الباب وأما قوله ولا يحل لمسلم أن يهجر أو يهاجر أخاه فهو عندي مخصوص أيضا بحديث كعب بن مالك إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهجروه ويقطعوا الكلام عنه والسلام عليه لما أحدثه في تخلفه عن غزوة تبوك وهو قادر على الغزو وقد جعل بعض أهل العلم حديث كعب هذا أصلا في هجران أهل البدع ومن أحدث في الدين ما لم يرض والذي عندي أن من خشي من مجالسته ومكالمته الضرر في الدين أو في الدنيا والزيادة في العداوة والبغضاء فهجرانه والبعد عنه خير من قربه لأنه يحفظ عليك زلاتك ويماريك في صوابك ولا تسلم من سوء عاقبة خلطته ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية وذكر بن وهب عن مالك أنه قال إذا أسلم عليه فقد قطع الهجرة وقال أبو بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل إذا سلم عليه هل يجزئه من ذلك سلامه قال ينظر إلى ما كان عليه قبل المصارمة فلا يخرجه من الهجران إلا بالعودة إلى ما كان عليه ولا يخرجه من الهجرة إلا سلام ليس معه إعراض ولا إدبار قال أبو عمر قد روي عن مالك أيضا هذا المعنى والآثار المرفوعة تشهد لما رواه بن وهب وقد تقدمت 1681 - مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله