ابن خلكان
380
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل رث الحال فجاء أبي يوما وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه فقال يا بني لا تمد رجلك مع أبي حنيفة فإن أبا حنيفة خبزه مشوي وأنت تحتاج إلى المعاش فقصرت عن كثير من الطلب وآثرت طاعة أبي فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني فجعلت أتعاهد مجلسه فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي ما شغلك عنا قلت الشغل بالمعاش وطاعة والدي فجلست فلما انصرف الناس دفع إلي صرة وقال استمتع بها فنظرت فإذا فيها مائة درهم فقال لي الزم الحلقة وإذا فرغت هذه فأعلمني فلزمت الحلقة فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى ثم كان يتعاهدني وما أعلمته بخلة قط ولا أخبرته بنفاد شيء وكأنه كان يخبر ينفادها حتى استغنيت وتمولت ثم قال الخطيب وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلا صغيرا وأن أمه هي التي أنكرت عليه حضور حلقة أبي حنيفة ثم روى الخطيب أيضا بإسناد متصل إلى علي بن الجعد قال أخبرني أبو يوسف القاضي قال توفي أبي وخلفني صغيرا في حجر أمي فأسلمتني إلى قصار أخدمه فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي فتذهب بي إلى القصار وكان أبو حنيفة يعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة ما لهذا الصبي فساد غيرك هذا صبي يتيم لا شيء له وإنما أطعمه من مغزلي وآمل أن يكسب دانقا يعود به على نفسه فقال لها أبو حنيفة مري يا رعناء ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق فانصرفت عنه وقالت له أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم ورفعني حتى تقلدت القضاء وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته فلما كان في بعض الأيام قدم إلى هارون فالوذجة فقال لي يا يعقوب كل منها فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها فقلت وما هذه يا أمير المؤمنين فقال هذه فالوذجة بدهن الفستق