ابن خلكان
381
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فضحكت فقال لي مم ضحكك فقلت خيرا أبقى الله أمير المؤمنين قال لتخبرني وألح علي فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب من ذلك وقال لعمري إن العلم لينفع دنيا ودينا وترحم على أبي حنيفة وقال كان ينظر بعين عقله مالا يراه بعين رأسه وحكى علي بن المحسن التنوخي عن أبيه عن جده قال كان سبب اتصال أبي يوسف بالرشيد أنه كان قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة رحمه الله تعالى فحنث بعض القواد في يمين فطلب فقيها يستفتيه فجيء بأبي يوسف فأفتاه أنه لم يحنث فوهب له دنانير وأخذ له دارا بالقرب منه ودخل القائد يوما على الرشيد فوجده مغموما فسأله عن سبب غمه فقال شيء من أمر الدين قد حزنني فاطلب فقيها كي أستفتيه فجاءه بأبي يوسف قال أبو يوسف فلما دخلت إلى ممر بين الدور رأيت فتى حسنا عليه أثر الملك وهو في حجرة محبوس فأومأ إلي بأصبعه مستغيثا فلم أفهم منه إرادته وأدخلت إلى الرشيد فلما مثلت بين يديه سلمت ووقفت فقال لي ما اسمك فقلت يعقوب أصلح الله أمير المؤمنين قال ما تقول في إمام شاهد رجلا يزني هل يحده قلت لا فحين قلتها سجد الرشيد فوقع لي أنه قد رأى بعض أهله على ذلك وأن الذي أشار إلي بالاستغاثة هو الزاني ثم قال الرشيد من أين قلت هذا قلت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ادرأوا الحدود بالشبهات وهذه شبهة يسقط الحد معها قال وأي شبهة مع المعاينة قلت ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى والحدود لا تكون بالعلم وليس لأحد أخذ حقه بعلمه فسجد مرة أخرى وأمر لي بمال جزيل وأن ألزم الدار فما خرجت حتى جاءتني هدية الفتى وهدية أمه وجماعته وصار ذلك أصلا للنعمة ولزمت الدار فكان هذا الخادم يستفتيني وهذا يشاورني ولم يزل حالي يقوى عند الرشيد حتى قلدني القضاء قلت وهذا يخالف ما نقلته قبل هذا من أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء والله أعلم بالصواب