ابن خلكان

148

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وأتقن الخلاف وفنون الأدب وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في شرحه وكان قد نشأ بأصبهان وقدم بغداد في حداثته وتفقه على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز مدرس النظامية وسمع بها الحديث من أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن جيرون وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وأبي بكر أحمد بن علي بن الأشقر وغيرهم وأقام بها مدة ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط ولم يزل ماشي الحال مدة حياته فلما توفي في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى تشتت شمل أتباعه والمنتسبين إليه ونال المكروه بعضهم وأقام العماد مدة في عيش منكد وجفن مسهد ثم انتقل إلى مدينة دمشق فوصلها في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن أتابك زنكي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وحاكمها ومتولي أمورها وتدبير دولتها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد ابن الشهرزوري المقدم ذكره فتعرف به وحضر مجالسه وذكر لديه مسألة في الخلاف وعرفه الأمير الكبير نجم الدين أبو الشكر أيوب والد السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريت فأحسن إليه وأكرمه وميزه عند الأعيان والأماثل وعرفه السلطان صلاح الدين من جهة والده ومدحه في ذلك الوقت بدمشق المحروسة وذكر العماد ذلك في كتابه البرق الشامي وأورد القصيدة التي مدحه بها يومئذ ثم إن القاضي كمال الدين نوه بذكره عند السلطان نور الدين وعدد عليه فضائله وأهله لكتابة الإنشاء قال العماد فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دربة ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيدة عنده لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها وأتى فيها بالغرائب وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضا وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام