ابن خلكان
149
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وعلت منزلته عند نور الدين وصار صاحب سره وسيره إلى دار السلام بغداد رسولا في أيام الإمام المستنجد ولما عاد فوض إليه تدريس المدرسة المعروفة به في دمشق أعني العماد وذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وخمسمائة ثم رتبه في اشراف الديوان في سنة ثمان وستين ولم يزل مستقيم الحال رخي البال إلى أن توفي نور الدين في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وقام ولده الملك الصالح إسماعيل مقامه وكان صغيرا فاستولى عليه جماعة كانوا يكرهون العماد فضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه وسافر قاصدا بغداد فوصل إلى الموصل ومرض بها مرضا شديدا ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية لأخذ دمشق فانثنى عزمه عن قصد العراق وعزم على العود إلى الشام وخرج من الموصل رابع جمادى الأولى سنة سبعين وخمسمائة وسلك طريق البرية فوصل إلى دمشق في ثامن جمادى الآخرة وصلاح الدين يومئذ نازل على حلب ثم قصد خدمته وقد تسلم قلعة حمص في شعبان من السنة فحضر بين يديه وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله فاستمر على عطلته مديدة وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ويعرض بصحبته القديمة ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه وقرب منه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية والعماد ملازم الباب بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم وصنف التصانيف النافعة من ذلك كتاب خريدة القصر وجريدة العصر جعله ذيلا على زينة الدهر تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الحظيري والحظيري جعل كتابه ذيلا على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي والباخرزي جعل كتابه ذيلا على يتيمة الدهر للثعالبي وقد