ابن خلكان
318
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وكنت رأيت المبرد المذكور في المنام وجرى لي معه قصة عجيبة فأحببت ذكرها وذلك أني كنت بالإسكندرية في بعض شهور سنة ست وثلاثين وستمائة وأقمت بها خمسة اشهر وكان عندي كتاب الكامل للمبرد وكتاب العقد لابن عبد ربه وانا أطالع فيهما فرأيت في العقد في فصل ترجمه بقوله ما غلط فيه على الشعراء وذكر أبياتا نسبوا أصحابها فيها إلى الغلط وهي صحيحة وغنما وقع الغلط ممن استدرك عليهم لعدم إطلاعهم على حقيقة الأمر فيها ومن جملة من ذكر المبرد فقال ومثله قول محمد بن يزيد النحوي في كتاب الروضة ورد على الحسن بن هانئ يعني أبا نواس في قوله ( وما لبكر بن وائل عصم * إلا بحمقائها وكاذبها ) فزعم أنه أراد بحمقائها هبنقة القيسي ولا يقال في الرجل حمقاء وإنما أراد دغة العجلية وعجل في بكر وبها يضرب المثل في الحمق هذا كله كلام صاحب العقد وغرضه أن المبرد نسب أبا نواس إلى الغلط بكونه قال بحمقائها واعتقد أنه أراد هبنقة وهنبقة رجل والرجل لا يقال له حمقاء بل يقال له أحمق وأبو نواس إنما أراد دغه وهي امرأة فالغلط حينئذ من المبرد لا من أبي نواس فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة رأيت في المنام كأني بمدينة حلب في مدرسة القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد وفيها كان اشتغالي بالعلم وكأننا قد صلينا الظهر في الموضع الذي جرت العادة بالصلاة فيه جماعة فلما فرغنا من الصلاة قمت لأخرج فرأيت في آخريات الموضع شخصا واقفا يصلي فقال لي بعض الحاضرين هذا أبو العباس المبرد فجئت إليه وقعدت إلى جانبه أنتظر فراغه فلما فرغ سلمت عليه وقلت له أنا في هذا الزمان أطالع في كتابك الكامل فقال لي رأيت كتابي الروضة فقلت لا وما كنت رأيته قبل ذلك فقال قم حتى أريك إياه فقمت معه وصعد بي إلى بيته فدخلنا فيه ورأيت فيه كتبا