ابن خلكان
116
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وأما سيرته فلقد كان له في فعل الخيرات غرائب لم يسمع أن أحدا فعل في ذلك ما فعله لم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة كان له كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد يجتمع في كل موضع خلق كثير يفرق عليهم في أول النهار وكان إذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع عند الدار خلق كثير فيدخلهم إليه ويدفع لكل واحد كسوة على قدر الفصل من الشتاء والصيف أو غير ذلك ومع الكسوة شيء من الذهب من الدينار والاثنين والثلاثة وأقل وأكثر وكان قد بنى أربع خانقاهات للزمني والعميان وملأها من هذين الصنفين وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل يوم وكان يأتيهم بنفسه في كل عصرية اثنين وخميس ويدخل عليهم ويدخل إلى كل واحد في بيته ويسأله عن حاله ويتفقده بشيء من النفقة وينتقل إلى الآخر وهكذا حتى يدور على جميعهم وهو يباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم وبنى دارا للنساء الأرامل ودارا للصغار الأيتام ودارا للملاقيط رتب بهم جماعة من المراضع وكل مولود يلتقط يحمل إليهن فيرضعنه وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم وكان يدخل إليها في كل وقت ويتفقد أحوالهم ويعطيهم النفقات زيادة على المقرر لهم وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض ويسأله عن مبيته وكيفية حاله وما يشتهيه وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على البلد من فقيه أو فقير أو غيرهما وعلى الجملة فما كان يمنع منها كل من قصد الدخول إليها ولهم الراتب الدار في الغداء والعشاء وإذا عزم الإنسان على السفر أعطوه نفقة على ما يليق بمثله وبنى مدرسة رتب فيها فقهاء الفريقين من الشافعية والحنفية وكان كل وقت يأتيها بنفسه ويعمل السماط بها ويبيت بها ويعمل السماع فإذا طاب وخلع شيئا من ثيابه سير للجماعة بكرة شيئا من الأنعام ولم يكن له