ابن خلكان
117
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
لذة سوى السماع فإنه كان لا يتعاطى المنكر ولا يمكن من إدخاله إلى البلد وبنى للصوفية خانقاهين فيهما خلق كثير من المقيمين والواردين ويجتمع في أيام المواسم فيهما من الخلق ما يعجب الإنسان من كثرتهم ولهما أوقاف كثيرة تقوم بجميع ما يحتاج إليه ذلك الخلق ولا بد عند سفر كل واحد من نفقة يأخذها وكان ينزل بنفسه إليهم ويعمل عندهم السماعات في كثير من الأوقات وكان يسير في كل سنة دفعتين جماعة من أمنائه إلى بلاد الساحل ومعهم جملة مستكثرة من الناس يفتك بها أسرى المسلمين من أيدي الكفار فإذا وصلوا إليه أعطى كل واحد شيئا وإن لم يصلوا فالأمناء يعطونهم بوصية منه في ذلك وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج ويسير معه ما تدعوا حاجة المسافر إليه في الطريق ويسير صحبته أمينا معه خمسة أو ستة آلاف دينار ينفقها بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب وله بمكة حرسها الله تعالى آثار جميلة وبعضها باق إلى الآن وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف وغرم عليه جملة كثيرة وعمر بالجبل مصانع للماء فإن الحجاج كانوا يتضررون من عدم الماء وبنى له تربة أيضا هناك واما إحتفاله بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به لكن نذكر طرفا منه وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده فيه فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من إربل مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحي خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب كل قبة أربع أو خمس طبقات ويعمل مقدار عشرين قبة وأكثر منها قبة له والباقي للأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المستجملة وقعد في كل قبة جوق من المغاني وجوق