الشيخ المنتظري

157

دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية

وقد مرّ البحث في سند الحديث في الفصل الثالث من الباب الخامس ، فراجع . ومرّ أنّه وإِن استدلوا بالحديث لإثبات منصبي الولاية والقضاء للفقيه ولكنّ القدر المتيقّن منه هو القضاء فقط على فرض دلالته على النصب ، كما لعلّه الظاهر من قوله : " فإنّي قد جعلته . " وتقريب الاستدلال به للمقام هو أنّ الظاهر من قوله : " روى حديثنا " كون حديث العترة الطاهرة أساس حكمه وقضائه ، في قبال من كان يعتمد على القياس والاستحسانات الظنّيّة . ومقتضى ذلك كونه مجتهداً ، إِذ منبع علم المقلّد هو فتوى المجتهد لا الأحاديث الصادرة عنهم - عليهم السلام - . والظاهر من قوله ( عليه السلام ) : " نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا " أيضاً كونه من أهل النظر والمعرفة بالنسبة إِلى أحكام الأئمة ( عليهم السلام ) وفتاواهم الصادرة عنهم في الحلال والحرام ، وأن يعلم أنّ ما يحكم به هو حكمهم ( عليه السلام ) . وظاهر ذلك أيضاً اعتبار الاجتهاد ، إِذ لا يصدق على المقلّد لغيره أنّه نظر وعرف ، فإنّ المعرفة إِنّما تصدق مع الإحاطة بجميع خصوصيّات الشيء ومميّزاته . ففرق بين العلم الإجمالي بوجود الشيء ، وبين معرفته بخصوصيّاته . وتشخيص أحكام الأئمّة ( عليهم السلام ) وفتاواهم في الحلال والحرام من خلال أحاديثهم المرويّة ، ولا سيّما إِذا كانت متعارضة بحسب الظاهر أو محتاجة إِلى الشرح والتفسير لا يتيسّر إِلاّ لمن كان له ملكة الاجتهاد والفقاهة . وكذلك قوله ( عليه السلام ) في جواب سؤال السائل عن صورة اختلاف الرجلين : " الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث " . وقول السائل في ذيل الحديث : " أرأيت إِن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة " كلّ ذلك ممّا يظهر منه اعتبار الفقاهة في من نصبه الإمام الصادق ( عليه السلام ) للقضاء بالنصب العامّ . واحتمال أنّ الاجتهاد أخذ طريقاً لا موضوعاً ، فالملاك هو الاطلاع على الأحكام ووقوع القضاء على وفق الحقّ ولو كان عن تقليد ، مخالف لظاهر الحديث جدّاً .