الشيخ محمد مهدي شمس الدين
74
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام
. . واصطفى سبحانه . . . أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم ، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ، فجهلوا حقه ، واتخذوا الأنداد معه ، واجتالتهم 1 الشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم رسله ، وواتر 2 إليهم أنبياءه ، . . . ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل ، أو حجة لازمة أو محجة 3 قائمة : رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمي له من بعده ، أو غابر عرفه من قبله ، على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدهور ، وسلفت الآباء ، وخلفت الأبناء 4 . وهكذا يعبر الإمام عن جوانب من أفق الآية الكريمة ، فحين تعقدت الحياة البشرية نتيجة لنمو المجتمع وتشابك العلاقات فيه ، وحين أدى ذلك إلى تصادم بين ما تقضي به الحياة الاجتماعية من تعاون وما تدفع إليه الغريزة والروح الفردية من استئثار . وحين ترافق هذا مع الانحراف عن مقتضيات الفطرة المستقيمة العذراء - وإن تكن في ذلك الحين ساذجة - في إدراك الخالق سبحانه وتعالى . . . حين حدث في حياة الإنسانية كل هذا اقتضى لطف الله ورحمته إرسال الأنبياء ليضيئوا عقول الناس ، ويرتفعوا بالمجتمع من علاقات المادة - البيولوجيا - إلى علاقات المعنى والقانون . * وقد تواترت حركة النبوات في تاريخ البشرية : تضئ عقولها ، وتصوغ مفاهيمها ، تغني حياتها ، وتضعها رويدا رويدا على طريق التكامل . . . تواترت هذه الحركة في خط تصاعدي نحو الأكمل والأفضل والأجمل ، مستجيبة في كل مرحلة من مراحل التاريخ البشري لحاجات تلك المرحلة ، باذرة فيها بذور نمو آخر في المستقبل يهيئ لمرحلة من التقدم والتكامل جديدة . . إلى أن بلغت حركة النبوات ذروتها في الرسالة الخاتمة الجامعة : رسالة الإسلام على لسان خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
--> ( 1 ) اجتالتهم : صرفتهم عن الله . ( 2 ) واتر : تابع . . أرسل الأنبياء يتبع أحدهم الآخر . ( 3 ) المحجة : الطريق المستقيمة الواضحة ، يريد هنا الشريعة التي تتبع . ( 4 ) نهج البلاغة - الخطبة الأولى .