ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

355

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقال : أما بعد فإن الدنيا مشغلة من غيرها ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها ولهجابها ( 1 ) ولم يستغن صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها ومن وراء ذلك فراق ما جمع ونقض ما أبرم ولو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي . ومن كلامه عليه السّلام في ذم الدنيا هيهات من وطيء دحضتك ( 2 ) زلق ومن ركب لججك غرق ومن أزور ( 3 ) عن حبائلك وفق والسالم منك لا يبالي أن ضاق به مناخه والدنيا عنده كيوم حان منه انسلاخه إغربي عني فوالله لا أذل لك فتستذليني ولا أساس ( 4 ) لك فتقوديني وأيم الله يمينا استثنى فيها بمشية الله لأروضن نفسي رياضة تهش ( 5 ) معها إلى قرص الشعير إذا قدرت عليه مطعوما وتقنع بالملح أدما ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ( 6 ) مستفرغة دموعها أتمتلي السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيطة من عشبها فتربض ويأكل علي من زاده فيهتجع ( 7 ) قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسا وهجرت في الليل غمضها حتى إذا الكرى ( 8 ) غلبها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربهم شفاههم وتقشعت ( 9 ) بطول استغفارهم ذنوبهم . قال حفص بن غياث سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينه فإن كل محب ليس يحوط إلا ما أحب .

--> ( 1 ) اللهج بفتح اللام والهاء : الولع والحرص . ( 2 ) الدحضة واحد الدحض بالفتح وبسكون الثاني : الزلق من الأمكنة . ( 3 ) أزور عنه بتشديد اللام : انحرف عنه . ( 4 ) ساس القوم سياسة من باب نصر : تولى أمرهم ودبرهم وجعلهم رعايا . ( 5 ) هش هشاشة من بأبي منع وضرب : ارتاح ونشط . خف للمعروف . ( 6 ) نضب نضبا من باب نصر : سال وجرى . نضب الماء نضوبا من بأبي ضرب ونصر : غار في الأرض . والمعين : الماء الصافي . ( 7 ) اهتجع : نام وكذا هجع هجوعا من باب منع . ( 8 ) الكرى بفتحتين مصدر قولهم كرى الرجل من باب علم إذا نعس . ( 9 ) تقشع السحاب : انكشف وزال . وقشعه قشعا من باب منع : فرقه .