ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
513
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
وعلموا أن ذلك هو المطلوب إليه لعظيم شأنه فانزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه أو كمال وجدته في منامك ثم استيقظت وليس معك فيه شيء إني إنما ضربت لك مثلا لأنها عند أهل اللب والعلم بالله كفيء الظلال . يا جابر فاحفظ ما استرعاك الله عز وجل من دينه وحكمته ولا تسألن عن ما لك عنده إلا ما له عند نفسك ( 1 ) ، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك ( 2 ) فتحول إلى دار المستعتب فلعمري لرب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ولرب كاره لأمر قد سعد به حين أتاه ذلك قول الله عز وجل : « لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ » . الأزدي عن أبي عبد الله عليه السّلام قال قال أبو جعفر عليه السّلام مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما . قال وقال أبو عبد الله عليه السّلام كان فيما وعظ به لقمان ابنه يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا لهم وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا فاعمل واستوف أجرك ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر أخربها ولا تعمرها فإنك لم تؤمر بعمارتها واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عز وجل من أربع عن شبابك فيما أبليته وعن عمرك فيما أفنيته ومالك مما اكتسبته وفيما أنفقته فتأهب لذلك وأعد له جوابا ولا تأس على ما فاتك من الدنيا فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه فخذ حذرك وجد في أمرك واكشف الغطاء عن وجهك تعرض لمعروف ربك وجدد التوبة في قلبك واكمش في فراغك ( 3 ) قبل أن يقصد قصدك ويقضى قضاؤك ويحال بينك وبين ما تريد . وعنه عليه السّلام قال إن في كتاب علي عليه السّلام إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع يحذرها العاقل ويهوي إليها الصبي الجاهل
--> ( 1 ) لعل المراد بيان أن يأخذه العبد من ربه على سبيل العطاء والتفضل فليكن سؤاله عما يعطيه بالتفضيل لا عما للعبد عنده . أو المراد لا تسئل عن ثوابك عنده إلا عن ماله عند نفسك من الخلوص والرعاية فان الثواب بحسبه . ( 2 ) كذا في نسخ الكتاب وعن تحف العقول بدون لفظة ( غير ) . ( 3 ) كمش كمشا بفتحتين من باب منع : كان سريعا ماضيا . وكمش كماشة بالفتح من باب شرف : شجع . فمعناه كن شجاعا في أن تفرغ منها أو كن سريعا فيه . وفي بعض لنسخ [ أكمش في قواعدك ] .