ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

478

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

ما قد نحل من جسمه فبكى فأوحى الله إليه يا يحيى أتبكي على ما قد نحل من جسمك وعزتي وجلالي لو اطلعت إلى النار اطلاعة لتدرعت مدرعة من حديد فضلا عن المسوح ( 1 ) فبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه ثم بدت للناظرين أضراسه فبلغ ذلك أمه فدخلت عليه وأقبل زكريا فاجتمع إليه الأحبار والرهبان ويخبرونه بذهاب لحم خديه فقال ما شعرت بذلك فقال زكريا يا بني ما دعاك إلى هذا وإنما سألت ربي أن يهبك لي لتقر عيني قال أنت أمرتني بذلك يا أبت فقال ومتى ذلك قال ألست القائل أن بين الجنة والنار عقبة لا يجوزها إلا البكاؤن من خشية الله تعالى قال بلى فجد واجتهد فشأنك غير شأني فقام يحيى فنفض مدرعته وأخذته أمه فقالت أتأذن لي يا بني أن أتخذ لك قطعتين من لبد يواري أضراسك وينشفان دموعك فقال لها شأنك فاتخذت له قطعتي لبد تواريان أضراسه وتنشفان دموعه حتى إذا ابتلتا من دموع عينيه فحسر عن ذراعيه ثم أخذهما فعصرهما فتحدر الدموع من بين أصابعه فنظر زكريا إلى ابنه وإلى دموع عينيه فرفع رأسه إلى السماء فقال اللهم إن هذا ابني وهذه دموع عينيه وأنت أرحم الراحمين وكان زكريا عليه السّلام إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا وشمالا فإن رأى يحيى لم يذكر جنة ولا نارا فجلس زكريا عليه السّلام ذات يوم يعظ بني إسرائيل فأقبل يحيى وقد لف رأسه بعبائه وقعد في غمار الناس لئلا يعرفه زكريا فالتفت زكريا عليه السّلام يمينا وشمالا فلم ير يحيى فأنشأ يقول حدثني حبيبي جبرئيل عليه السّلام عن الله تعالى إن في جهنم جبلا يقال له السكران في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان لغضب الرحمن في ذلك الوادي جب قامته مائة عام في ذلك الجب توابيت من نار في تلك التوابيت صناديق من نار وسلاسل من نار وأغلال من نار فرفع يحيى عليه السّلام رأسه فقال وا غفلتاه عن السكران من غضب الرحمن ثم أقبل هائما على وجهه ( 2 ) فقام زكريا عليه السّلام من مجلسه ودخل على أم يحيى فقال لها يا أم يحيى قومي فاطلبي يحيى فإني قد تخوفت أن لا نراه إلا وقد ذاق الموت فقامت فخرجت فمرت بفتية من بني إسرائيل فقالوا لها يا أم يحيى إلى أين تريدين قالت أريد أن أطلب ابني يحيى ذكرت النار بين يديه فهام

--> ( 1 ) بعض النسخ [ المنسوج ] . ( 2 ) هام على وجهه من باب باع : خرج ولا يدري أين يتوجه .