ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
286
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
ولا علاج في تقرير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران والأشكال وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا أما من كان مستعدا فقد فاز فوزا عظيما وأما من كان مغرورا بطول الأمل فقد خسر خسرانا مبينا . ولينظر الإنسان كل ساعة في أطرافه وأعضائه وليتدبر في أنها كيف تتفتت عظامها وليتفكر في أن الدود يبدأ بحدقته اليمنى أولا وباليسرى ثانيا فما على بدنه شيء إلا وهو طعمة للدود وما له من نفسه إلا العلم والعمل الخالص لوجه الله تعالى وكذلك يتفكر في عذاب القبر وسؤال منكر ونكير وفي الحشر والنشر وأهوال القيامة وفزع النداء يوم العرض الأكبر فأمثال هذه الأفكار هي التي تجدد ذكر الموت على قلبه وتدعوه إلى الاستعداد له بيان مراتب الناس في طول الأمل وقصره اعلم أن الخلق في ذلك يتفاوتون فمنهم من يأمل البقاء ويشتهي ذلك أبدا قال الله تعالى يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ( 1 ) ومنهم من يأمل البقاء إلى الهرم وهو أقصى العمر الذي شاهده ورآه وهو الذي يحب الدنيا حبا شديدا . قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الشيخ شاب في طلب الدنيا وإن التفت ترقوتاه من الكبر إلا الذين اتقوا وقليل ما هم ومنهم من يأمل إلى سنة فلا يشتغل بتدبير ما وراءه ولا يقدر لنفسه وجودا في عام قابل ولكن هذا يستعد في الصيف للشتاء وفي الشتاء للصيف فإذا جمع ما يكفيه لسنته اشتغل بالعبادة ومنهم من يرجع أمله إلى يوم وليلة فلا يستعد إلا لنهاره وأما الغد فلا . قال عيسى عليه السّلام لا تهتموا برزق غد فإن يكن من آجالكم فسيأتي فيه أرزاقكم مع آجالكم وإن لم يكن من آجالكم فلا تهتموا لآجال غيركم .
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 91 .