ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
287
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أعلى من ذلك : يا عبد الله إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح . فهذه مراتب الناس ولكل درجات عند الله تعالى والدليل على قصر الأمل المبادرة إلى العمل الصالح وكل من يدعي أنه قصير الأمل وهو كاذب فإن ذلك يظهر بأعماله وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب العين لا يغفل عنه ساعة فيستعد للموت الذي يرد عليه في الوقت فإن عاش إلى المساء شكر الله تعالى على مهلته وفرح بأنه لم يضيع نهاره بل استوفى منه حظه وادخره لنفسه ثم يستأنف مثله إلى الصباح وهكذا إذا أصبح ولا يتيسر هذا إلا لمن فرغ القلب عن علائق الدنيا وما فيها فمثل هذا إذا مات سعد وغنم وإن عاش سر بحسن الاستعداد ولذة المناجاة فالموت له سعادة والحياة له مزيد وكرامة فليكن الموت على بالك يا مسكين فإن المسير جاذبك وأنت غافل عن نفسك ولعلك قد قاربت المنزل وقطعت المسافة وأنت لا تعلم ولا تكون النجاة إلا بمبادرة العمل اغتناما لكل نفس أمهلت فيه * ( بيان مبادرة العمل ) * قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا أو فقرا منسيا أو مرضا مفسدا أو هرما مقيدا أو موتا مجهزا أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم لرجل يعظه اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ أي أنه لا يغتنمهما ثم يعرف قدرهما عند زوالهما . وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من خاف أدلج ( 1 ) ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة .
--> ( 1 ) أدلج القوم : ساروا في الليل كله أو في آخره والمراد السرعة في البلوغ إلى المنزل .