ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
262
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
والكبير من هو كبير عند الله ويبين لها أن أصله ومبدأه من نطفة قذرة ومنتهاه إلى جيفة منتنة فإذا عرف أن الكبر مهلك وأن أصله الحماقة فيتفكر في علاج إزالة ذلك بأن يتعاطى أفعاله المتواضعين . وإذا وجد في نفسه شهوة الطعام والميل إلى الشهوات تفكر وقال لها إن هذه صفة البهائم ولو كان في شهوة الطعام والوقاع كمال لكان ذلك من صفات الملائكة المقربين ومهما كان إلى الشره أقرب وهو عليه أغلب كان بالبهائم أشبه وعن الملائكة المقربين أبعد ثم ينظر ويتفكر فيما فيه النجاة من الأفعال فهو التوبة والندم على الذنوب والعزم على ترك العود والصبر على بلاء الله والشكر على نعمائه والخوف منه والرجاء له والزهد في الدنيا والإخلاص والصدق في الطاعات فليتفكر العبد في كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه ( 1 ) من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله تعالى فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم وأن العلوم لا يثمرها إلا الأفكار فإذا أراد أن يكتسب لنفسه حال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولا وليتفكر فيها وليجمعها على نفسه وليعظمها على قلبه ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد في الشرع وليحقق في نفسه أنه متعرض لمقت الله به حتى ينبعث له حال الندم وإذا أراد أن يستبين له من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله إليه وأياديه عليه وإذا أراد الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة ثم لينظر في الموت وسكراته ثم في ما بعده من مسائله منكر ونكير وعذاب القبر ثم في هول النداء عند نفخة الصور ثم في هول المحشر عند جميع الخلائق على صعيد ثم في المناقشة في الحساب والمضايقة في النقير والقطمير ثم أهوال القيامة ثم يصور في نفسه جهنم ودركها ومقامعها وأهوالها وأنواع العذاب فيها وقبيح صورة الزبانية وأنه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وإذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا .
--> ( 1 ) أعوز الشيء فلانا : احتاج إلى ذلك الشيء فلم يجده وكذا عاز يعوز عوزا وزان نصرا وعوز الشيء من باب علم عوزا بفتحتين عز فلم يوجد وهو محتاج إليه .