ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
263
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
وإذا أراد أن ينظر إلى الرجاء فلينظر إلى الجنة ونعيمها وما أعد الله تعالى فيها من الملك الدائم والنعيم والحور واللذات فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم فعليك بقراءة القرآن والتفكر فيه فإنه جامع لجميع المقامات الأحوال وفيه شفاء للعالمين وفيه ما يورث الخوف والرجاء والصبر والشكر وسائر الصفات وفيه ما يزجر عن جميع الصفات المذمومة فينبغي أن يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو مائة مرة فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمه بغير تفكر وفهم وليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة فإن تحت كل كلمة منها أسرار لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب وكذلك مطالعة كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فإنه قد أوتي جوامع الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة وإذا تأملها العاقل حق التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره وشرح الآيات والأخبار يطول . فانظر إلى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم إن روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به فهذه الكلمات جامعة حكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأملين فيها طول العمر إذ لو وقفوا على معانيها وغلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ولحال ذلك بينهم وبين التلفت إلى الدنيا بالكلية فهذا طريق الفكر فيه فهذه علوم ينبغي للإنسان أن يكون مستغرق الوقت فيها دائم الفكر حتى يعم قلبه بالأخلاق المحمودة والمقامات الشريفة لينزه باطنه وظاهره عن المكاره والرذائل لئلا يغفل عن صفات نفسه المبعدة من الله تعالى وأحواله المقربة إليه سبحانه وتعالى بل ينبغي أن يكون لكل إنسان جريدة يثبت فيها جملة الصفات المهلكات والصفات المنجيات وجملة المعاصي والطاعات ويعرض نفسه عليها في كل يوم والمهلكات فهي البخل والكبر والعجب والرياء والحسد وشدة الغضب وشره الطعام وحب المال والجاه والمنجيات فهي الندم على الذنوب والصبر على بلاء الله والشكر على نعمائه والزهد في الدنيا والإخلاص في الأعمال وحسن الخلق مع الخلق والخوف من الله تعالى والخشوع فمهما كفي من المذمومات واحدة فيخط عليها في جريدته ويدع الفكر فيها ثم على الباقي فلا يزال يدفع عن نفسه مذموما عنها إلى