ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
256
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
واعلمي يا نفس أنه ليس للدين عوض ولا للإيمان بدل ولا للجد خلف ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة وأقبلي هذه النصيحة فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار وما أراك بها راضية ولا لهذه الموعظة واعية فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة فاستعيني عليها بدوام التهجد والقيام فإن لم تزل فبالمواظبة على الصيام فإن لم تزل فبقلة المخالطة والكلام فإن لم تزل فبصلة الأرحام والألطاف بالأيتام فإن لم تزل فاعلمي أن ظلمة الذنوب قد تراكمت على باطنك وظاهرك فوطني نفسك على النار فإن لم يبق فيك مجال للوعظ فاقنطي ( 1 ) من نفسك فإن القنوط كبيرة من الكبائر نعوذ بالله من ذلك . ثم انظر الآن هل يأخذك حزن على هذه المصيبة وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك فإن سمحت فاستقي الدمع من بحر الرحمة فقد بقي منك موضع للرجاء فواظبي على النياحة والبكاء واستغيثي بأرحم الراحمين واشتكي إلى أكرم الأكرمين وادمني ( 2 ) الاستغاثة ولا تملي طول الاستكانة لعله أن يرحم ضعفك فإن مصيبتك قد عظمت وبليتك قد تفاقمت ( 3 ) وتماديك قد طال فلا ملجأ ولا منجى إلا إلى مولاك فافزعي إليه بالتضرع واخضعي في تضرعك على قدر عظم جهلك وكثرة ذنوبك لأنه يرحم المتضرع الذليل ويغيث الطالب المتلهف ويجيب دعوة المضطر وقد أصبحت والله مضطرة ( 4 ) وإلى رحمة الله محتاجة وقد ضاقت بك السبل وانقطعت منك الحيل ولم تنجع ( 5 ) فيك العظات ولم يكسرك التوبيخ والمطلوب منه كريم والمسؤول منه جواد والمستعان به رحيم رؤوف والرحمة واسعة والكرم فائض والعفو شامل وقولي يا أرحم الراحمين يا رحمان يا رحيم يا حليم يا عظيم يا كريم أنا المذنب المصر أنا الجرئ الذي لا ينتهي أنا المتمادي الذي لا يستحي هذا مقام المتضرع المسكين والبائس الفقير
--> ( 1 ) كذا في النسخ وربما حكى عن بعض النسخ « فلا تقنط » وهو المناسب . ( 2 ) في بعض النسخ « فأدمى » والادمان والإدامة بمعنى . ( 3 ) تفاقهم الأمر إذا عظم . ( 4 ) في بعض النسخ : « وقد أصبحت والي الله مضطرة » . ( 5 ) نجع فيه الكلام أو الطعام أو الدواء . دخل فأثر ونفع .