ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

255

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

من بطن أمك فأبتن ( 1 ) على وجه الأرض قصرك فإن بطنها عن قليل يكون قبرك أما تخافين إذا بلغت النفس ( 2 ) منك التراقي أن تبدو رسل ربك منحدرة إليك بسواد الألوان وكلح الوجوه ( 3 ) وبشرى العذاب فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك الحزن أو يرحم منك البكاء فالعجب كل العجب منك يا نفس إنك مع هذا تدعين البصيرة والفطنة ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك ولا تحزنين لنقصان عمرك وما ينفع مال يزيد وعمر ينقص . ويحك يا نفس تعرضين عن الآخرة وهي مقبلة عليك وتقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك فكم من مستقبل يوما لم يستكمله وكم من مؤمل لغد لم يبلغه وأنت تشاهدين ذلك في إخوانك وأقاربك وجيرانك وترين تحسرهم عند الموت ثم لا ترجعين عن جهالتك فاحذري أيتها النفس المسكينة يوما آلى الله فيه على نفسه أن لا يترك عبدا أمره في الدنيا ونهاه حتى يسأله عن عمله دقيقة وجليلة سره وعلانيته فانظري يا نفس بأي بدن تقفين بين يديه وبأي لسان تجيبين وأعدي للسؤال جوابا وللجواب صوابا واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال وفي دار زوال لدار مقامه وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود اعملي قبل أن لا تعملي أخرجي من الدنيا اختيارا خروج الأحرار قبل أن تخرجي منها على الاضطرار ولا تفرحي بما عندك من زهرات الدنيا فرب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر فويل لمن له الويل ثم لا يشعر يضحك ويفرح ويلهو ويمزح ويأكل ويشرب وقد حق له في كتاب الله أنه من وقود النار فليكن نظرك يا نفس إلى الدنيا اعتبارا وسعيك لها اضطرارا ورفضك لها اختيارا وطلبك للآخرة ابتدارا ولا تكوني ممن يعجز عن شكر ما أوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي وينهى الناس ولا ينتهي .

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ فتبنى ] . ( 2 ) إنما خاطب النفس بذلك أي بخروج النفس من الترقوة لتغاير المعنيين فان المخاطب النفس الانساني والمراد بالخارج هنا النفس الحيواني . ( 3 ) كلح كلوحا وكلاحا بالضم فيهما من باب منع : عبس شديدا .