ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

218

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 1 ) . وقال تعالى : « إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ » ( 2 ) . قد وصف الله تعالى الملائكة مع تقدسهم عن الذنوب ومواظبتهم على العبادة على الدؤوب ( 3 ) بالإشفاق فقال يسبحون الليل والنهار لا يفترون وإنهم من خشية ربهم مشفقون ( 4 ) فمتى زال الإشفاق والحذر حصل التكبر وهو سبب الهلاك ومتى حصل الحذر والإشفاق في القلب حصل التواضع فإذا ما يفسده العابد بإضمار الكبر والحسد والغل واحتقار الخلق والنظر إليهم بعين الاستصغار أكثر مما يصلحه بظاهر الأعمال فهذه معارف بها يزال داء الكبر والحسد والغل عن القلب لا غير إلا أن القلب بعد هذه المعرفة قد يضمر التواضع ويدعي البراءة من الكبر وهو كاذب فإذا وقعت الواقعة عاد إلى طبعه ونسي وعده فعند هذا لا ينبغي أن يكتفى في المداواة بمجرد المعرفة بل ينبغي أن يكمل بالعمل ويجرب نفسه بأفعال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النفس . وبيانه أن يمتحن النفس بخمس امتحانات الأول أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه وثقل عليه قبوله والانقياد له والاعتراف به والشكر له على تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحق فذلك يدل على أن فيه كبرا دقيقا فليتق الله فيه ويشتغل بعلاجه . أما من حيث العلم فبأن يذكر نفسه خسة نفسه وخطر عاقبته وإن الكبر لا يليق إلا بالله تعالى وأما بالعمل فبأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من الاعتراف بالحق فيطلق اللسان بالحمد والثناء ويقر على نفسه بالعجز ويشكره على الاستفادة ويقول ما أحسن ما فطنت له وقد كنت غافلا عنه فجزاك الله خيرا عما نبهتني له فالحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها فإذا واظب على ذلك مرات متوالية

--> ( 1 ) سورة المؤمنون آية 57 . ( 2 ) سورة الطور آية 27 . ( 3 ) الدؤوب وزان الفلوس مصدر قولهم دأب في العمل من باب منع إذا جدو تعب واستمر عليه . ( 4 ) سورة الأنبياء آية 20 و 28 .