ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

214

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

السبيل كيف يسره وإلى طغيان الإنسان ما أكفره وإلى جهل الإنسان كيف أظهره فقال أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ فانظر إلى نعمة الله عليه كيف نقله من تلك الذلة والقلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة فصار موجودا بعد العدم وحيا بعد الموت وكان من ذاته لا شيء وأي شيء أخس من لا شيء ثم صار بالله شيئا . وإنما خلقه من التراب الذليل والنطفة القذرة ليعرفه خسة ذاته فيعرف بها نفسه وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ويعلم بها عظمته وجلاله وأنه لا يليق الكبرياء إلا به ولذلك امتن عليه فقال « أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 1 ) » وعرف خسته أولا فقال ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثم كان علقة ثم ذكر منته عليه فقال فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثى ليدوم وجوده بالتناسل لما حصل وجوده ابتداء بالاجتماع . فمن كان هذا بدأه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضعفاء نعم ولو أكمله وأدام له الوجود لجاز أن يطغى وينسى المبدأ والمنتهى ولكنه سلط عليه في وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطبائع المضادة من المرة والبلغم والريح والدم يهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى رضي أم سخط فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا يريد أن يذكر الشيء فينساه ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه وربما يريد الشيء ويكون هلاكه فيه ويكره الشيء وتكون حياته فيه لا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله وتخطف روحه فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه وأنى يليق الكبر به لولا جهله فهذا وسط أحواله فليتأمله وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وقوته وعلمه وحسه وإدراكه وحركته فيعود جمادا كما كان أول مرة لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته لا حس فيها

--> ( 1 ) سورة البلد .