ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
215
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
ولا حركة ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة مذرة ثم تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه وتنخر ( 1 ) عظامه فيصير رميما ورفاتا ويأكل الدود أجزاءه فيبتدي بحدقتيه فيبلعهما وبخديه فيقطعهما وبسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الديدان ويكون جيفة يهرب عنه الحيوان ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الأنتان فأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ترابا ويصير مفقودا بعد ما كان موجودا وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا كما كان في أول مرة أمدا مديدا وليته بقي كذلك فما أحسنه لو ترك ترابا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء فيخرج من قبره بعد جمع أعضائه وأجزائه المتفرقة ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء ممزقة مشققة وأرض مبدلة وجحيم تزفر وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر ويرى صحائف منشورة فيقال له اقرأ كتابك فيقول وما هو فيقال كان قد وكل بك في حياتك التي تفرح بها وتتكبر بنعيمها وتفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ما تنطق به أو تعمله من قليل وكثير ونقير وقطمير وأكل وشرب وقيام وقعود قد نسيت ذلك وأحصاه الله فهلم إلى الحساب واستعد للجواب أو تساق إلى دار العذاب فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه فإذا شاهدها قال يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فهذا آخر أمره وهو قوله تعالى ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَه . فما لمن هذه حاله وللتكبر بل ما له وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر ولو رأى العبد المذنب ما في النار لصعق من وحشة خلقه وقبح صورته ولو وجد رائحته لمات من نتنها ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقى منه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيف فمن هذه حاله في العاقبة إلا أن يعفى عنه وهو على شك من العفو فكيف يتكبر وكيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد له فضلا وأي عبد لم يذنب ذنبا يستحق به العقوبة إلا أن يعفو الكريم بفضله . أرأيت من جنى على بعض الملوك بما يستحق به ألف سوط فحبس في السجن
--> ( 1 ) نخر العظم أو العود من باب علم : بلى وتفتت فهو نخر وناخر .