ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
197
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
الثاني أن يستدل بإظهار الله الجميل وستره القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعل به في الآخرة إذ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة فيكون الأول فرحا بالقبول والثاني فرحا بالستر . والثالث أن يحمده المطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم وبحبهم للمطيع وبميل قلوبهم إلى الطاعة إذ من أهل الإيمان من يرى أهل الطاعة فيمقته ويحسده أو يذمه أو يهزأ به وينسبه إلى الرياء ولا يحمده عليه فهذا فرح يحسن وعلامته الإخلاص في هذا الفرح ( 1 ) . وأما المذموم فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته عند الناس حتى يمدحوه ويعظموه ويقوموا بقضاء حاجاته ويقابلوه بالإكرام في مصادره وموارده فهذا مكروه فالرياء أصله حب الدنيا والرغبة فيها ونسيان الآخرة وقلة التفكر فيما عند الله وقلة التأمل في آفات الحياة الدنيا وعظيم نعيم الآخرة وأصل ذلك كله حب الدنيا وغلبة الشهوات فهو رأس كل خطيئة ومنبع كل ذنب لأن العبادة إذا كانت خالصة لله كانت عارية من كل شوب لا يريد بها إلا ثواب الله والدار الآخرة والرياء ضد ذلك بميل الإنسان إلى حب الجاه والمنزلة في قلوب الناس والرغبة في نعيم الدنيا وهذا هو الذي يعطب القلب ويحول بينه وبين التفكر في العاقبة والاستضاءة بنور العلوم الربانية فإن قيل فمن صادق ( 2 ) من نفسه كراهة الرياء وحملته الكراهة على الإباء ولكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه وحبه له ومنازعته ( 3 ) إياه إلا أنه كاره لحبه ولميله غير مجيب نفسه إليه فهل يكون في زمرة المرائين . اعلم أن الله تعالى لم يكلف العبد إلا ما يطيق وليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته ( 4 ) ولا قمع الطمع حتى لا يميل إلى الشهوات ولا ينازع إليها وإنما
--> ( 1 ) في بعض النسخ [ وعلامة الاخلاص في هذا الورع ] . ( 2 ) في بعض النسخ [ فمن صادف من نفسه ] . ( 3 ) في بعض النسخ [ ورغبته إياه ] . ( 4 ) نزغ الشيطان وساوسه وما يحمل به الانسان على المعاصي .