ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
189
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
فاحتلبتموها وركبتموها واستمتعتم بها فقالوا كرهنا أن نجعل بطوننا قبورا لها ورأينا في نبات الأرض بلاغا وإنما يكفي ابن آدم أدنى العيش من الطعام إن ما جاوز الحنك من الطعام لم نجد له طعما كائنا ما كان من الطعام ( 2 ) ثم بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين فتناول جمجمة فقال يا ذا القرنين أتدري من هذا قال لا ومن هو قال ملك من ملوك الأرض أعطاه الله سلطانا على أهل الأرض فغشم ( 3 ) وظلم وعتا ( 4 ) فلما رأى الله عز وجل ذلك منه حسمه ( 5 ) بالموت فصار كالحجر الملقى قد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته ثم تناول جمجمة أخرى بالية فقال يا ذا القرنين هل تدري من هذا قال لا ومن هذا قال ملك ملك بعد هذا وقد كان يرى ما صنع الذي قبله بالناس من الغشم والظلم والتجبر فتواضع وخشع لله عز وجل وأمر بالعدل في أهل مملكته فصار كما ترى قد أحصى الله عليه عمله ليجزيه في آخرته ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين ثم قال وهذه الجمجمة كان قد صارت هكذا فانظر يا ذا القرنين ما أنت صانع فقال له ذو القرنين هل لك في صحبتي فأتخذك أخا ووزيرا وشريكا فيما آتاني الله من هذا المال قال ما أصلح أنا وأنت في مكان ولا أن نكون جميعا فقال ذو القرنين ولم قال لأجل أن الناس كلهم لك عدو ولي صديق قال ولم قال يعادونك على ما في يديك من الملك والمال والدنيا ولا أجد أحدا يعاديني لرفضي لذلك ولما عندي من الحاجة وقلة الشيء قال فانصرف ذو القرنين متعجبا منه ومتعظا به
--> ( 1 ) معناه أن اطعام إنما يلتذ به ويطعمه ما دام في الفم فإذا جاوزه فلا يدرك له طعم يلتذ به من أي الطعام كان فلا فرق بين العلف وبين لذائذ الأطعمة بعد ذلك في عدم بقاء اللذة . ( 3 ) غشمه من بابي ضرب ونصر - : ظلمه . ( 4 ) عتا يعتو وعتيا : استكبر وجاوز الحد . ( 5 ) حسمه - من باب ضرب - : قطعه .