ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
177
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
انبعثت رغبته إلى القناعة لأنه في الحرص لا يخلو من تعب وفي التعب لا يخلو من ذل وليس في القناعة إلا ألم الصبر عن شهوات الفضول وهذا ألم لا يطلع عليه أحد وفيه ثواب الآخرة ثم يقويه عز النفس والقدرة على متابعة الحق فإن من كثر طمعه وحرصه كثرت حاجته إلى الناس ومن كثرت حاجته إلى الناس ذلت نفسه وهلك دينه ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان . قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عز المؤمن استغناؤه عن الناس وفي القناعة الحرية والعز . قال أمير المؤمنين علي عليه السّلام استغن عمن شئت فأنت نظيره واحتج إلى من شئت فأنت أسيره وأحسن إلى من شئت فأنت أميره . وينبغي له أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى من الأكراد والأعراب ومن لا دين لهم ولا عقل ثم ينظر إلى أحوال الأتقياء والصالحين ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة أراذل الخلق أو على الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق على الله تعالى حتى يهون عليه بذلك الصبر على القليل والقناعة باليسير فإنه إن تنعم في البطن فالحمار أكثر أكلا منه وإن تنعم في الوقاع فالخنزير أعلى رتبة منه وإن تزين في الملبس والخيل ففي اليهود من هو أعلى رتبة منه وإن قنع بالقليل ورضي به لم يساهمه في رتبته إلا الأولياء والأنبياء . ويعلم أن في جمع المال من الخطر كما ذكرناه من آفات المال مع ما يفوته من المقام في الموقف للحساب ويدخل الفقراء قبله الجنة بخمسمائة عام فإنه إذا لم يقنع بما يكفيه التحق بزمرة الأغنياء وأخرج من جريدة الفقراء فإذا أراد أن يتم له ذلك فلينظر أبدا إلى من هو دونه في الدنيا لا إلى من هو فوقه فإن الشيطان أبدا يصرف نظره إلى من هو فوقه فيقول له لم تفتر عن الطلب وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم والملابس ويصرف نظره في الدين إلى من هو دونه فيقول ولم تضيق على نفسك وتخاف وفلان أعلم منك وهو لا يخاف والناس كلهم مشغولون بالتنعم فلم تريد أن تميز عنهم . وقال أبو ذر رحمة الله عليه أوصاني خليلي أن أنظر إلى من هو دوني لا إلى من هو فوقي أي في الدنيا .