ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
169
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
كثيرة ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته وتعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين ومن لا مال له افتقر إلى أن يتولى بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام وطبخه وكنسه البيت حتى نسخ الكتاب الذي يحتاج إليه وكلما يتصور أن يقوم به غيرك ويحصل غرضك فأنت مغبون إذا اشتغلت به إذ عليك من العلم والعمل والفكر والذكر ما لا يتصور أن يقوم به غيرك فتضييع الوقت في غيره خسران . واعلم أن الزائد من المال الذي يفضل عما يحتاج إليه من الكفاف يجر إلى المعاصي فإن الشهوات متقاضية والعجز قد يحول بين المرء والمعصية ومن العصمة أن لا يقدر ومتى كان الإنسان آيسا عن نوع من المعصية لم تتحرك داعيته فإذا استشعر القدرة عليه انبعثت والمال نوع من القدرة يحرك داعيه المعاصي وارتكاب الفجور فإن اقتحم ما اشتهاه هلك وإن صبر وقع في شدة إذ الصبر مع القدرة أشد وفتنة السراء ( 1 ) أشد من فتنة الضراء . النوع الثالث أنه يجر إلى التنعم في المباحات وهذا أقل الدرجات فمتى يقدر صاحب المال أن يتناول خبز الشعير ويلبس الثوب الخشن ويترك لذائذ الأطعمة كما كان يقدر عليه سليمان عليه السّلام في ملكه وأحسن أحواله أن يترك التنعم بالدنيا لما يعلم من سرعة انقضائها لئلا يمرن عليه نفسه فيصير التنعم مألوفا عنده ومحبوبا إليه لا يصبر عنه ويجره البعض منه إلى البعض وإذا اشتد أنسه به ربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في المراءاة والمداهنة والكذب والنفاق وسائر الأخلاق المردية لينتظم له أمر دنياه وتيسر له تنعمه فإن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ومن احتاج إلى الناس فلا بد أن ينافقهم ويعصى الله في طلب رضاهم فإن سلم الإنسان من مباشرة المحظورات فلا يسلم عن هذا أصلا ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصداقة ويبتني عليه الحسد والحقد والرياء والكبر والكذب والغيبة والنميمة وسائر المعاصي التي تخص القلب واللسان ولا
--> ( 1 ) السراء : رغد العيش . والضراء نقيضه كالشدة نقيض الرخاء .