ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
156
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
فقال مثل الدنيا مثل الحية يلين مسها ويقتل سمها فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها وكن آنس ما تكون فيها أحذر ما تكون فيها فإن صاحبها كل ما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعاتها بعد الخوض فيها قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء هل يستطيع أن يمشي في الماء إلا وتبتل قدماه وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم وقلوبهم عنها مطهرة وعلائقها عن بواطنهم منقطعة وذلك مكيدة الشيطان بل لو أخرجوا مما هم فيه لكانوا أعظم المتفجعين بفراقها فكما أن المشي في الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم فكذلك ملابسة الدنيا يقتضي علاقة وظلمة في القلب بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع حلاوة العبادة . قال عيسى عليه السّلام بحق أقول لكم كما نظر المريض إلى الطعام فلا يتلذذ به من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يتلذذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع ما يجده من حلاوة الدنيا بحق أقول لكم أن الدابة إذا لم تركب وتمتهن ( 1 ) تصعبت وتغير خلقها كذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت وبنصب العبادة تقسو وتغلظ وبحق أقول لكم إن الزق إذا لم ينخرق أو ينحل ( 2 ) يوشك أن يكون وعاء العسل كذلك القلوب إذا لم تخرقها الشهوات أو يدنسها الطمع أو يقسيها النعيم فسوف تكون أوعية الحكمة . وقال نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة وإنما مثل عمل أحدكم مثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله . مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته بالإضافة إلى ما سبق . قال أنس قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخره فيبقى متعلقا بخيط في آخره يوشك ذلك الخيط أن ينقطع .
--> ( 1 ) امتهنه : استخدمه . احتقره . ( 2 ) في بعض النسخ [ أو يقمل ] .