ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
157
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض حتى الهلاك . قال عيسى عليه السّلام مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله . مثال آخر لمخالفة الدنيا ولنضارة أولها وخبث عواقبها اعلم أن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوات الأطعمة في المعدة وسيجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقيح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما وأكثر دسما وأظهر حلاوة كان رجيعه أقذر وأشد نتنا وكذلك كل شهوة في القلب هي أشهى وألذ وأقوى فنتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد بل هي في الدنيا مشاهدة فإن من نهب زاده وماله فتكون مصيبته وألمه وتفجعه في كل ما فقده فيها بقدر لذته فيها وحبه لها وحرصه عليها فكل ما كان عند الوجود أشهى وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر وما للموت معنى إلا فقد ما في الدنيا . وقد روي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال للضحاك بن سفيان الكلابي ألست تؤتى بطعامك وقد مزج وملح ثم تشرب عليه اللبن والماء قال بلى قال فإلى ما يصير قال إلى ما علمت قال فإن الله عز وجل ضرب مثل الدنيا لما يصير إليه طعام ابن آدم . وقال أبي بن كعب قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إن الدنيا ضربت مثلا لابن آدم فانظر ما يخرج من ابن آدم وإن مزجه وملحه إلى ما يصير . وقال الحسن قد رأيتم يطيبونها بالأفاويه ( 1 ) والطيب ثم يرمون بها حيث رأيتم وقد قال الله تعالى فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ قال ابن عباس إلى رجيعه . وكان بعضهم يقول انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم وإن الملك يقول يا ابن آدم انظر إلى ما بخلت به انظر إلى ما خاصمت عليه انظر إلى ما حرصت على تحصيله انظر إلى ما ذا صار
--> ( 1 ) الافاوية التوابل وهي ما يطيب به الطعام من الأدوية كالدارصيني والزنجبيل .