ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

155

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

مثال آخر للدنيا وعيوب الإنسان ( 1 ) بها : اعلم أن الأحوال ثلاثة حالة لم تكن فيها شيئا وهي ما قبل وجودك إلى الأزل وحالة لا تكون فيها مشاهدا وهي بعد موتك إلى الأبد وحالة بين الأزل والأبد وهي أيام حياتك في الدنيا فانظر إلى مقدار طولها والنسبة إلى طرفي الأزل والأبد حتى تعلم أنه أقل من منزل قصير في شوط طويل ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف ( 2 ) فرفعت له شجرة فقال ( 3 ) تحت ظلها ساعة ثم راح ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضر وضيق أو في سعة ورفاهية بل لا يبني لبنة على لبنة توفي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ورأى بعض الصحابة يبني بيتا من جص فقال ما أرى الأمر إلا أعجل من هذا وأنكر ذلك ( 4 ) وإلى هذا أشار عيسى عليه السّلام حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها ، وهو مثال واضح فإن حياة الدنيا معبر الآخرة والمهد هو المثل الأول على رأس القنطرة واللحد هو المثل الثاني وبينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيف ما كان لا بد من العبور . مثال آخر للدنيا في لين مأخذها وخشونة مصدرها : اعلم أن أوائل أمور الدنيا تبدو لينة يظن الخائض فيها أن حلاوة حفضها ( 5 ) كحلاوة الخوض فيها وهيهات فالخوض في الدنيا سهل ولكن الخروج منها مع السلامة شديد . وقد كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام إلى سلمان الفارسي رض بمثالها

--> ( 1 ) في بعض النسخ [ الناس ] . ( 2 ) الصائف : الحار ومنه قولهم : صيف صائف . ( 3 ) قال - بقيل قيلا وقائلة وقيلولة ومقالا ومقيلا - نام في القائلة وهو منتصف النهار . ( 4 ) في النسخة المطبوعة [ وأنكر من ذلك ] فيحتمل كون أنكر للتفضيل . ( 5 ) حفضه بالحاء المهملة والمضاد المنقوطة : ألقاه وطرحه . وفي النسخة المطبوعة بالظاء وهوء اشتباه كما يشهد به قوله : والخروج منها فان طرحها يناسب الخروج منها بخلاف الحفظ لها .