السيد هاشم البحراني
551
البرهان في تفسير القرآن
فأطعمي من غير من أنكد فأقبلت فاطمة ( عليها السلام ) وهي تقول : لم يبق مما كان غير صاع قد دبرت « 1 » كفي مع الذراع شبلاي والله هما جياع يا رب لا تتركهما ضياع أبوهما للخير ذو اصطناع عبل « 2 » الذراعين طويل الباع وما على رأسي من قناع إلا عبا نسجتها بصاع وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه ، وباتوا جياعا ، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء » . قال شعيب في حديثه : وأقبل علي ( عليه السلام ) بالحسن والحسين ( عليهما السلام ) نحو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع ، فلما بصر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بهما قال : « يا أبا الحسن ، شد ما يسؤني ما أرى بكم ، انطلق إلى ابنتي فاطمة » فانطلقوا [ إليها ] وهي في محرابها ، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها ، فلما رآها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ضمها إليه ، وقال : وا غوثاه ، أنتم منذ ثلاث فيما أرى ! فهبط جبرئيل ( عليه السلام ) ، فقال : يا محمد ، خذها هنأ لك « 3 » في أهل بيتك . فقال : وما آخذ يا جبرئيل ؟ قال : * ( هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) * « 4 » حتى بلغ * ( إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) * « 5 » . وقال الحسن بن مهران في حديثه : فوثب النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى دخل منزل فاطمة ( عليها السلام ) ، فرأى ما بهم فجمعهم ، ثم انكب عليهم يبكي ، ويقول : « أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم » . فهبط عليه جبرئيل ( عليه السلام ) بهذه الآيات * ( إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ) * قال : هي عين في دار النبي ( صلى الله عليه وآله ) تتفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين * ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) * يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة * ( ويَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّه مُسْتَطِيراً ) * يقول عابسا كلوحا * ( ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّه ) * يقول : على حب شهوتهم للطعام وإيثارهم له * ( مِسْكِيناً ) * من مساكين المسلمين * ( ويَتِيماً ) * من يتامى المسلمين * ( وأَسِيراً ) * من أسارى المشركين ، ويقولون إذا أطعموهم : * ( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْه اللَّه لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً ولا شُكُوراً ) * ، قال : والله ما قالوا هذا ، [ لهم ] ولكنهم أضمروه في أنفسهم ، فأخبر الله بإضمارهم . يقول : * ( لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً ) * تكافؤننا به * ( ولا شُكُوراً ) * تثنون علينا به ، ولكنا * ( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْه اللَّه ) * وطلب ثوابه ، قال الله تعالى ذكره : * ( فَوَقاهُمُ اللَّه شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ ولَقَّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُوراً ) * في القلوب
--> ( 1 ) أي تقرّحت وتشققت . ( 2 ) رجل عبل الذّراعين ، أي ضخمهما . « لسان العرب 11 : 420 » . ( 3 ) في المصدر : خذ ما هيّأ اللَّه لك . ( 4 ) الدهر 76 : 1 . ( 5 ) الدهر 76 : 22 .