السيد هاشم البحراني

438

البرهان في تفسير القرآن

وأجراهما على محبتهم ، إذ عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن « 1 » إرادته ، فجعل الاختيار إليهم في الكفر والايمان ، ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ، ويعرف له فضل ولايته ، ويقف عند أمره ونهيه ، وادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم ، فأمر عبده ونهاه ، ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب ، وأوعده على معصيته أليم العقاب ، فخالف العبد إرادة مالكه ، ولم يقف عند أمره ونهيه ، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى ، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه ، وبعثه في بعض حوائجه ، وفيما الحاجة له وصدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه ، وقصد إرادة نفسه ، واتبع هواه ، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه ، فإذا هو خلاف ما أمره ، فقال العبد : اتكلت على تفويضك الأمر إلي ، فاتبعت هواي وإرادتي ، لأن المفوض إليه غير محظور عليه ، لاستحالة اجتماع التفويض والتحظير » . ثم قال ( عليه السلام ) : « فمن زعم أن الله فوض قبول أمره ونهيه إلى عباده ، فقد أثبت عليه العجز ، وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر ، وأبطل أمر الله تعالى ونهيه » . ثم قال : « إن الله خلق الخلق بقدرته ، وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر والنهي ، وقبل منهم اتباع أمره [ ونهيه ] ، ورضي بذلك لهم ، ونهاهم عن معصيته ، وذم من عصاه وعاقبه عليها ، ولله الخيرة في الأمر والنهي ، يختار ما يريد ، ويأمر به ، وينهى عما يكره ، ويثيب ويعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه ، لأنه العدل ، ومنه النصفة والحكومة بالغ الحجة بالإعذار والإنذار ، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده ، اصطفى محمدا ( صلى الله عليه وآله ) وبعثه بالرسالة إلى خلقه ، ولو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت ومسعود الثقفي ، إذ كانا عندهم أفضل من محمد ( صلى الله عليه وآله ) لما قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * « 2 » يعنونهما بذلك ، فهذا [ هو ] القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض ، بذلك أخبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : تملكها من دون الله ، أو مع الله ؟ فسكت عباية بن ربعي ، فقال له : قل يا عباية . قال : وما أقول ؟ قال : إن قلت تملكها مع الله قتلتك ، وإن قلت تملكها من دون الله قتلتك . قال : وما أقول ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك « 3 » ، فإن ملككها كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، وهو المالك لما ملكك ، والمالك لما عليه أقدرك ، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حيث يقولون : لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ فقال : الرجل : ما تأويلها ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا حول بنا عن « 4 » معاصي الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله . ثم قال : فوثب الرجل وقبل يديه ورجليه . ثم قال ( عليه السلام ) في قوله تعالى :

--> ( 1 ) في « ج » : على . ( 2 ) الزخرف 43 : 31 . ( 3 ) في « ط ، ي » : الذي لا تملكها من دونه . ( 4 ) في المصدر : لا حول لنا من .