السيد هاشم البحراني
437
البرهان في تفسير القرآن
أمرين . قيل : فما ذا ، يا بن رسول الله ؟ فقال : صحة العقل ، وتخلية السرب « 1 » ، والمهلة في الوقت ، والزاد قبل الراحلة ، والسبب المهيج للفاعل على فعله ، فهذه خمسة أشياء ، فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل منه مطرحا بحسبه ، وأنا أضرب لك لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة ، وهي الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب ، ويسهل له البحث من شرحه ، ويشهد به القرآن بمحكم آياته ، ويحقق تصديقه عند ذوي الألباب وبالله العصمة والتوفيق » . ثم قال ( عليه السلام ) : « فأما الجبر فهو [ قول ] من زعم أن الله عز وجل جبر العباد على المعاصي ، وعاقبهم عليها ، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه ورد عليه قوله : ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) * » وقوله جل ذكره : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 3 » مع آي كثيرة في مثل هذا ، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عز وجل وظلمه في عقوبته « 4 » ، ومن ظلم ربه فقد كذب كتابه ، ومن كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة ، فالمثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه ، ولا يملك عرضا من عروض الدنيا ، ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق بحاجة يأتيه بها ، ولا يملكه ثمن ما يأتيه به ، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا ، لا يطمع أحد « 5 » في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور ، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه ، فلما صار العبد إلى السوق وحاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها ، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن [ ولا يملك العبد ثمنها ] ، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته ، فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك ، فإنه كان ظالما متعديا ، مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته ، وإن لم يعاقبه كذب نفسه ، أليس يجب أن لا يعاقبه ؟ والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة ، تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا » . ثم قال العالم ( عليه السلام ) بعد كلام طويل : « فأما التفويض الذي أبطله الصادق ( عليه السلام ) ، وخطأ من دان به ، فهو قول القائل : إن الله تعالى فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم ، وهذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقته إلا الأئمة المهدية ( عليهم السلام ) من عترة الرسول ( صلوات الله عليهم ) ، فإنهم قالوا : لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما رضا ما اختاروه واستوجبوا به الثواب ، ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب ، إذا كان الإهمال واقعا ، وتنصرف هذه المقالة على نوعين « 6 » ، إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة ، كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن ، أو يكون جل وتقدس عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته ، ففوض أمره ونهيه إليهم ،
--> ( 1 ) السّرب : الطريق ، يقال : خلّ له سربه ، أي طريقه . وفلان مخلَّى السّرب ، أي موسّع عليه غير مضيّق . « أقرب الموارد 1 : 508 » . ( 2 ) الكهف 18 : 49 . ( 3 ) الحج 22 : 10 . ( 4 ) في المصدر : في عظمته له . ( 5 ) في النسخ : لا يطيع أحدا . ( 6 ) في المصدر : على معنيين .