السيد هاشم البحراني

169

البرهان في تفسير القرآن

من شبهه ، ولا له عرف من بعضه ، ولا إياه أراد من توهمه ، كل معروف بنفسه مصنوع ، وكل قائم في « 1 » سواه معلول ، بصنع الله يستدل عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته ، وبالفطرة تثبت حجته « 2 » . خلق الله تعالى الخلق حجابا بينه وبينهم ، ومباينته إياهم مفارقته إنيتهم ، وابتداؤه لهم دليل « 3 » على أن لا ابتداء له ، لعجز كل مبتدأ منهم عن ابتداء مثله ، فأسماؤه تعالى تعبير ، وأفعاله سبحانه تفهيم ، قد جهل الله من حده ، وقد تعداه من اشتمله ، وقد أخطأه من اكتنهه ، ومن قال : كيف هو ، فقد شبهه ، ومن قال فيه : لم فقد علله ، ومن قال : متى ، فقد وقته ، ومن قال : فيم ، فقد ضمنه ، ومن قال : إلام ، فقد نهاه ، ومن قال : حتام فقد غياه ، ومن غياه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد ألحد فيه ، لا يتغير الله تعالى بتغاير المخلوق ، ولا يتحدد بتحديد المحدود ، واحد لا بتأويل عدد ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجل لا باستهلال رؤية ، باطن لا بمزايلة ، مباين لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسيم ، موجود لا عن عدم ، فاعل لا باضطراب ، مقدر لا بفكرة ، مدبر لا بحركة ، مريد لا بعزيمة ، شاء لا بهمة ، مدرك لا بحاسة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة ، لا تصحبه الأوقات ، ولا تضمنه الأماكن ، ولا تأخذه السنات ، لا تحده الصفات ، ولا تقيده الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله . بخلقه الأشياء « 4 » علم أن لا شبه له ، وبمضادته بين الأشياء علم أن لا ضد له ، وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له ، ضاد النور بالظلمة ، والشر بالخير « 5 » ، مؤلف بين متعادياتها « 6 » ، مفرق بين متدانياتها ، بتفريقها دل على مفرقها ، وبتأليفها على مؤلفها ، قال الله تعالى : * ( ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * . له معنى الربوبية إذ لا مربوب ، وحقيقته الإلهية إذ لا مألوه ، ومعنى العالم ولا معلوم ، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق ، ولا من حيث أحدث استفاد معنى المحدث ، لا تغييه منذ ، ولا تدنيه قد ، ولا يحجبه لعل ، ولا يوقته متى ، ولا يشتمله حين ، ولا يقارنه مع ، كل ما في الخلق من أثر غير موجود في خالقه ، وكل ما أمكن فيه ، ممتنع من صانعه ، لا تجري عليه الحركة والسكون ، كيف يجري عليه ما هو أجراه ؟ أو يعود فيه ما هو ابتدأه ؟ إذن لتفاوتت دلالته ، ولامتنع من الأزل معناه ، ولما كان للبارئ معنى غير المبرئ ، لوحد له وراء لحد له أمام ، ولو التمس له التمام للزمه النقصان ، كيف يستحق الأزل من لا يمتنع عن الحدث ؟ وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء « 7 » ؟ لو تعلقت به المعاني لقامت فيه آية المصنوع ، ولتحول عن كونه دالا إلى كونه مدلولا عليه ، ليس في

--> ( 1 ) في « ط ، ي » : من . ( 2 ) في المصدر : محبّته . ( 3 ) في المصدر : دليلهم . ( 4 ) في المصدر : الأشباه . ( 5 ) في المصدر : والصّرّ بالحرّ . ( 6 ) في المصدر : متعاقباتها . ( 7 ) في « ج » : الأشياء .