السيد هاشم البحراني
93
البرهان في تفسير القرآن
فقلنا : يا بن رسول الله ، كرمنا ، وفضلنا بإشراكك إيانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك . قال : « إن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منا ثلاثة ، من الرسل : قدر مولده تقدير مولد موسى ( عليه السلام ) ، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى ( عليه السلام ) ، وقدر إبطاء نوح ( عليه السلام ) ، وجعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح - أعني الخضر ( عليه السلام ) - دليلا على عمره » . فقلنا : اكشف لنا - يا بن رسول الله - عن وجوه هذه المعاني . قال ( عليه السلام ) : « أما مولد موسى ( عليه السلام ) ، فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده ، أمر بإحضار الكهنة ، فدلوه على نسبه ، وأنه يكون من بني إسرائيل ، ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل ، حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولود ، وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى ( عليه السلام ) بحفظ الله تبارك وتعالى إياه ، وكذلك بنو أمية ، وبنو العباس ، لما وقفوا على أن زوال ملكهم ملك الأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منا ، ناصبونا العداوة ، ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وإبادة نسله ، طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم ، ويأبى الله عز وجل أن يكشف أمره لواحد من الظلمة ، إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون . وأما غيبة عيسى ( عليه السلام ) ، فإن اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل ، فكذبهم الله عز ذكره بقوله : وما قَتَلُوه وما صَلَبُوه ولكِنْ شُبِّه لَهُمْ ) * « 1 » ، كذلك غيبة القائم ( عليه السلام ) ، فإن الأمة ستنكرها لطولها ، فمن قائل بغير هدى « 2 » : إنه لم يولد وقائل يقول : إنه ولد ومات وقائل يكفر ، بقوله : إن حادي عشرنا كان عقيما ، وقائل يمرق ، بقوله « 3 » : إنه يتعدى إلى ثلاثة عشر ، وصاعدا ، وقائل يعصي الله عز وجل ، بقوله : إن روح القائم تنطق في هيكل غيره . وأما إبطاء نوح ( عليه السلام ) ، فإنه لما استنزل العقوبة على قومه من السماء ، بعث الله تبارك وتعالى الروح الأمين ( عليه السلام ) بسبع نويات ، فقال : يا نبي الله ، إن الله تبارك وتعالى يقول لك : إن هؤلاء خلائقي ، وعبادي ، ولست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة ، وإلزام الحجة ، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك ، فإني مثيبك عليه ، واغرس هذه النوى ، فإن لك في نباتها ، وبلوغها ، وإدراكها إذا أثمرت ، الفرج والخلاص ، فبشر بذلك من اتبعك من المؤمنين ، فلما نبتت الأشجار ، وتأزرت « 4 » ، وتسوقت ، وتغصنت ، وأثمرت ، وزها التمر عليها بعد زمان طويل ، استنجز من الله سبحانه وتعالى العدة ، فأمره الله تبارك وتعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ، ويعاود الصبر والاجتهاد ، ويؤكد الحجة على قومه ، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به ، فارتد منهم ثلاث مائة رجل ، وقالوا : لو كان ما يدعيه نوح حقا ، لما وقع في وعد ربه خلف . ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة بأن يغرسها مرة بعد أخرى ، إلى أن غرسها سبع مرات ، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منهم طائفة بعد طائفة ، إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا ، فأوحى الله
--> ( 1 ) النساء 4 : 157 . ( 2 ) في المصدر : قائل يهذي . ( 3 ) ( انه ولد . . . بقوله ) ليس في المصدر . ( 4 ) تأزّر النبت : التفّ واشتدّ . « الصحاح - أزر - 2 : 578 » .