السيد هاشم البحراني

94

البرهان في تفسير القرآن

تبارك وتعالى عند ذلك إليه ، وقال : يا نوح ، الآن أسفر الصبح عن الليل بعينك ، حين صرح الحق عن محضه ، وصفا الأمر والإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة ، فلو أني أهلكت الكفار ، وأبقيت من قد ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك ، لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك ، واعتصموا بحبل نبوتك ، بأن استخلفهم في الأرض ، وأمكن لهم دينهم ، وأبدل خوفهم بالأمن ، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشك من قلوبهم ، وكيف يكون الاستخلاف ، والتمكين ، وبذل الأمن ، مني لهم ، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا ، وخبث طينتهم ، وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق ، وسنوح « 1 » الضلالة ؟ فلو أنهم تنسموا « 2 » من الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف ، إذا أهلكت أعداءهم ، لنشقوا روائح صفاته ، ولاستحكمت سرائر نفاقهم ، وتأبدت حبال ضلالة قلوبهم ، ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة ، وحاربوهم على طلب الرئاسة ، والتفرد بالأمر والنهي ، وكيف يكون التمكين في الدين ، وانتشار الأمر في المؤمنين ، مع إثارة الفتن ، وإيقاع الحروب ؟ كلا واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا ) * « 3 » » . قال : الصادق ( عليه السلام ) : « وكذلك القائم ( عليه السلام ) ، فإنه تمتد أيام غيبته ، ليصرح الحق عن محضه ، ويصفوا الإيمان من الكدر ، بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم ( عليه السلام ) » . قال المفضل : فقلت : يا ابن رسول الله ، فإن هذه النواصب تزعم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر ، وعمر وعثمان ، وعلي ( عليه السلام ) ؟ فقال : « لا يهدي الله قلوب الناصبة ، متى كان الدين الذين ارتضاه الله ورسوله متمكنا بانتشار الأمن في الأمة ، وذهاب الخوف من قلوبها ، وارتفاع الشك من صدورها ، في عهد واحد من هؤلاء ، وفي عهد علي ( عليه السلام ) ، مع ارتداد المسلمين ، والفتن التي تثور في أيامهم ، والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم - ثم تلا الصادق ( عليه السلام ) - حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا ) * « 4 » . وأما العبد الصالح - أعني الخضر ( عليه السلام ) - فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له ، ولا لكتاب ينزل عليه ، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها ، ولا لطاعة يفرضها له ، بلى ، إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم ( عليه السلام ) في أيام غيبته ما يقدر ، علم ما يكون من إنكار عباده مقدار ذلك العمر في الطول ، طول عمر العبد الصالح ، من غير سبب يوجب ذلك ، إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم ( عليه السلام ) ، وليقطع بذلك حجة المعاندين ، لئلا يكون للناس على الله حجة » .

--> ( 1 ) في « ج ، ط » : شيوخ . ( 2 ) تنسّم : تنفّس . « الصحاح - نسم - 5 : 2040 » ، وفي المصدر : تسنّموا منّي . ( 3 ) هود 11 : 37 . ( 4 ) يوسف 12 : 110 .