السيد هاشم البحراني

571

البرهان في تفسير القرآن

الله الذي خلق السماوات والأرض ، ويخلق في الأرحام ما يشاء ، ويصور كيف يشاء ، وأنبت الأشجار والثمار ، وأنزل القطر من السماء - قال - فقال لهما : إلهكما هذا الذي تدعوان إليه ، وإلى عبادته ، إن جئنا بأعمى يقدر أن يرده صحيحا ؟ قالا : إن سألناه أن يفعل فعل إن شاء . قال : أيها الملك ، علي بأعمى لم يبصر شيئا قط . فأتي به ، فقال : ادعوا إلهكما أن يرد بصره هذا ، فقاما ، وصليا ركعتين ، فإذا عيناه مفتوحتان وهو ينظر إلى السماء . فقال : أيها الملك ، علي بأعمى آخر ، فأتي به ، فسجد سجدة ، ثم رفع رأسه فإذا الأعمى الآخر بصير . فقال : أيها الملك ، حجة بحجة ، علي بمقعد ، فأتي به ، فقال لهما مثل ذلك ، فصليا ، ودعوا الله ، فإذا المقعد قد أطلقت رجلاه ، وقام يمشي . فقال : أيها الملك ، علي بمقعد آخر ، فأتي به ، فصنع به كما صنع أول مرة ، فانطلق المقعد ، فقال : أيها الملك ، قد أتيا بحجتين وأتينا بمثله ، ولكن بقي شيء واحد ، فإن هما فعلاه دخلت معهما في دينهما ، ثم قال : أيها الملك ، بلغني أنه كان للملك ابن واحد ، ومات ، فإن أحياه إلههما دخلت معهما في دينهما ، فقال له الملك : وأنا أيضا معك . ثم قال لهما : قد بقيت هذه الخصلة الواحدة : قد مات ابن الملك ، فادعوا إلهكما ليحييه . فوقعا إلى الأرض ساجدين لله ، وأطالا السجود ، ثم رفعا رأسيهما ، وقالا للملك : ابعث إلى قبر ابنك تجده قد قام من قبره ، إن شاء الله ، قال : فخرج الناس ينظرون ، فوجدوه قد خرج من قبره ينفض رأسه من التراب . قال : فأتي به إلى الملك ، فعرف أنه ابنه ، فقال له : ما حالك ، يا بني ؟ قال : كنت ميتا فرأيت رجلين بين يدي ربي الساعة ساجدين يسألانه أن يحييني ، فأحياني . قال : يا بني تعرفهما إذا رأيتهما ؟ قال : نعم . قال : فأخرج الناس جملة إلى الصحراء ، فكان يمر عليه رجل رجل ، فيقول له أبوه : انظر . فيقول : لا ، لا . ثم مروا عليه بأحدهما بعد جمع كثير ، فقال : هذا أحدهما . وأشار بيده إليه ، ثم مروا أيضا بقوم كثير ، حتى رأى صاحبه الآخر ، فقال : وهذا الآخر . فقال النبي صاحب الرجلين : أما أنا فقد آمنت بإلهكما ، وعلمت أن ما جئتما به هو الحق . قال : فقال الملك : وأنا أيضا آمنت بإلهكما . وآمن أهل مملكته كلهم » . 8912 / [ 2 ] - الطبرسي : قال : وهب بن منبه ، بعث عيسى ( عليه السلام ) هذين الرسولين إلى أنطاكية ، فأتياها ولم يصلا إلى ملكها ، وطالت مدة مقامهما ، فخرج الملك ذات يوم ، فكبرا ، وذكرا الله ، فغضب الملك وأمر بحبسهما ، وجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، فلما كذب الرسولان وضربا بعث عيسى ( عليه السلام ) شمعون الصفا - رأس الحواريين - على أثرهما لينصرهما ، فدخل شمعون البلدة متفكرا ، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به ، فرفعوا خبره إلى الملك ، فدعاه ، ورضي عشرته ، وأنس به وأكرمه . ثم قال له ذات يوم : أيها الملك ، بلغني أنك حبست رجلين في السجن ، وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك ، فهل سمعت قولهما ؟ قال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك . قال : فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع ما عندهما . فدعاهما الملك ، فقال لهما شمعون ، من أرسلكما إلى هاهنا ؟ قالا : الله الذي خلق كل شيء ، لا شريك له .

--> 2 - مجمع البيان 8 : 655 .