السيد هاشم البحراني
549
البرهان في تفسير القرآن
المأمون : أخبروني عن معنى هذه الآية : * ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) * ، فقالت العلماء : أراد الله عز وجل بذلك الأمة كلها . فقال المأمون : ما تقول ، يا أبا الحسن ؟ فقال الرضا ( عليه السلام ) : « لا أقول كما قالوا ، ولكن أقول : أراد الله عز وجل بذلك العترة الطاهرة » . فقال المأمون : وكيف عنى العترة من دون الأمة ؟ فقال له الرضا ( عليه السلام ) : « لو أراد الأمة لكانت بأجمعها في الجنة لقول الله تبارك وتعالى : * ( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّه ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) * ، ثم جمعهم كلهم في الجنة ، فقال عز وجل : * ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) * ، فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم » . فقال المأمون : من العترة الطاهرة ؟ فقال الرضا ( عليه السلام ) : « الذين وصفهم الله في كتابه ، فقال عز وجل : إِنَّما يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * « 1 » ، وهم الذين قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إني مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما . أيها الناس ، لا تعلموهم ، فإنهم أعلم منكم » . قالت العلماء : أخبرنا - يا أبا الحسن - عن العترة : هم الآل ، أم غير الآل ؟ فقال الرضا ( عليه السلام ) : « هم الآل » . قالت العلماء : وهذا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يؤثر عنه أنه قال : « أمتي آلي » وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه : الآل أمته . فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : « أخبروني : هل تحرم الصدقة على الآل ؟ » . قالوا : نعم . قال : « فتحرم على الأمة ؟ » قالوا : لا . قال : « هذا فرق بين الآل والأمة . ويحكم ، أين يذهب بكم ، أضربتم عن الذكر صفحا ، أم أنتم قوم مسرفون ، أما علمتم أنه وقعت الوراثة والطهارة « 2 » على المصطفين المهتدين دون سائرهم ؟ ! » قالوا : من أين ، يا أبا الحسن ؟ قال : « من قول الله عز وجل : ولَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وإِبْراهِيمَ وجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) * « 3 » ، فصارت وراثة [ النبوة و ] الكتاب للمهتدين دون الفاسقين ، أما علمتم أن نوحا ( عليه السلام ) حين سأل ربه عز وجل ، فقال : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ « 4 » وذلك أن الله عز وجل وعده أن ينجيه وأهله ، فقال له : يا نُوحُ إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ « 5 » ؟ » . والحديث طويل أخذنا ذلك منه ، وربما ذكرنا منه في هذا الكتاب في مواضع تليق به « 6 » .
--> ( 1 ) الأحزاب 33 : 33 . ( 2 ) في « ط » : وقف الوراثة الظاهرة . ( 3 ) الحديد 57 / 26 . ( 4 ، 5 ) هود 11 : 45 ، 46 . ( 6 ) تقدّم في الحديث ( 7 ) من تفسير الآية ( 33 ) من سورة الأحزاب ، ويأتي أيضا في الحديث ( 1 ) من تفسير الآية ( 26 ) من سورة الحديد .