السيد هاشم البحراني

436

البرهان في تفسير القرآن

على الخزرج في المواطن كلها ، وقد وهبت لعبد الله بن أبي سبع مائة دارع ، وسبع مائة « 1 » حاسر في صبيحة واحدة ، ولسنا نحن بأقل من عبد الله بن أبي . فلما أكثروا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال لهم : « أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم ؟ » . فقالوا : بلى ، فمن هو ؟ قال : « سعد بن معاذ » . قالوا : قد رضينا بحكمه ، فأتوا به في محفة « 2 » ، واجتمعت الأوس حوله يقولون له : يا أبا عمرو ، اتق الله ، وأحسن في حلفائك ومواليك ، فقد نصرونا ببعاث ، والحدائق « 3 » ، والمواطن كلها . فلما أكثروا عليه ، قال : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم . فقالت الأوس : وا قوماه ، ذهبت والله بنو قريظة آخر الدهر . وبكت النساء والصبيان إلى سعد ، فلما سكتوا ، قال لهم سعد : يا معشر اليهود ، أرضيتم بحكمي فيكم ؟ قالوا : بلى ، قد رضينا بحكمك ، وقد رجونا نصفك ، ومعروفك ، وحسن نظرك . فأعاد عليهم القول ، فقالوا : بلى ، يا أبا عمرو . فالتفت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إجلالا له ، فقال : ما ترى ، بأبي أنت وأمي ، يا رسول الله ؟ قال : « احكم فيهم - يا سعد - فقد رضيت بحكمك فيهم » . فقال : قد حكمت - يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن تقتل رجالهم ، وتسبى نساؤهم وذراريهم ، وتقسم غنائمهم بين المهاجرين والأنصار . فقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : « قد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة » ثم انفجر جرح سعد بن معاذ ، فما زال ينزف حتى قضى . وساقوا الأسارى إلى المدينة ، وأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأخدود ، فحفرت بالبقيع ، فلما أمسى ، أمر بإخراج رجل رجل ، فكان يضرب عنقه ، فقال حيي بن أخطب لكعب بن أسد : ما ترى يصنع بهم ؟ فقال له : ما يسوؤك ، أما ترى الداعي لا يقلع ، والذي يذهب لا يرجع ؟ فعليكم بالصبر ، والثبات على دينكم . فأخرج كعب بن أسد ، مجموعة يديه إلى عنقه ، وكان جميلا وسيما ، فلما نظر إليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال له : « يا كعب ، أما نفعتك وصية ابن الحواس ؟ ! الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام ، فقال : تركت الخمر والخنزير « 4 » ، وجئت إلى البؤس والتمور ، لنبي يبعث ، مخرجه بمكة ، ومهاجرته في هذه البحيرة ، يجتزئ بالكسيرات والتميرات ، ويركب الحمار العري ، في عينيه حمرة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، يضع سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لاقى منكم ، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر » . فقال : قد كان ذلك يا محمد ، ولولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك ، وصدقتك ، ولكني على دين اليهودية ، عليه أحيا ، وعليه أموت . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « قدموه فاضربوا عنقه » فضربت عنقه . ثم قدم حيي بن أخطب ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « يا فاسق ، كيف رأيت صنع الله بك ؟ » فقال : والله - يا محمد - ما ألوم نفسي في عداوتك ، ولقد قلقلت « 5 » كل مقلقل ، وجهدت كل الجهد ، ولكن من يخذل الله

--> ( 1 ) في المصدر : ثلاث مائة . ( 2 ) المحفّة : مركب من مراكب النساء كالهودج ، إلَّا أنّها لا تقبّب . « الصحاح - حفف - 4 : 1345 » . ( 3 ) بعاث والحدائق : موضعان عند المدينة ، كانت فيهما وقعتان بين الأوس والخزرج قبل الإسلام ، أنظر « الكامل في التاريخ 1 : 676 و 680 » . ( 4 ) في « ج » : الخمير . ( 5 ) قلقل الشيء : حرّكه فتحرّك واضطرب . « لسان العرب - قلل - 11 : 566 » .