السيد هاشم البحراني
435
البرهان في تفسير القرآن
* ( وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيارَهُمْ وأَمْوالَهُمْ وأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ) * فلما دخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المدينة ، واللواء معقود ، أراد أن يغتسل من الغبار ، فناداه جبرئيل : « عذيرك من محارب ، والله ما وضعت الملائكة لأمتها ، فكيف تضع لأمتك ؟ إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة ، فإني متقدمك ، ومزلزل بهم حصنهم ، إنا كنا في آثار القوم ، نزجرهم زجرا ، حتى بلغوا حمراء الأسد « 1 » » . فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فاستقبله حارثة بن النعمان ، فقال له : « ما الخبر ، يا حارثة ؟ » . قال : بأبي أنت وأمي - يا رسول الله - هذا دحية الكلبي ينادي في الناس : ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة . فقال : « ذلك جبرئيل ، ادعوا لي عليا » . فجاء علي ( عليه السلام ) ، فقال له : « ناد في الناس : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة » . فجاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فنادى فيهم ، فخرج الناس ، فبادروا إلى بني قريظة . وخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) بين يديه ، مع الراية العظمى ، وكان حيي بن أخطب لما انهزمت قريش ، جاء ودخل حصن بني قريظة ، فجاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأحاط بحصنهم ، فأشرف عليهم كعب بن أسد « 2 » من الحصن يشتمهم ، ويشتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على حمار ، فاستقبله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقال : « بأبي أنت وأمي - يا رسول الله - لا تدن من الحصن » . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « يا علي ، لعلهم شتموني ؟ إنهم لو قد رأوني لأذلهم الله » . ثم دنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من حصنهم ، فقال : « يا إخوة القردة والخنازير ، وعبدة الطاغوت ، أتشتموني ؟ ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم » . فأشرف عليهم كعب بن أسد من الحصن ، فقال : والله - يا أبا القاسم - ما كنت جهولا . فاستحيا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى سقط الرداء عن ظهره حياء مما قال . وكان حول الحصن نخل كثير ، فأشار إليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده ، فتباعد عنه ، وتفرق في المفازة ، وأنزل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) العسكر حول حصنهم ، فحاصرهم ثلاثة أيام ، فلم يطلع منهم أحد رأسه ، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال « 3 » بن شمول ، فقال : يا محمد ، تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير ؟ احقن دماءنا ، ونخلي لك البلاد وما فيها ، ولا نكتمك شيئا . فقال : « لا ، أو تنزلون على حكمي » . فرجع ، وبقوا أياما ، فبكت النساء والصبيان إليهم ، وجزعوا جزعا شديدا ، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالرجال ، فكتفوا ، وكانوا سبع مائة « 4 » ، وأمر بالنساء ، فعزلن . وقامت الأوس إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقالوا : يا رسول الله ، حلفاؤنا وموالينا من دون الناس ، نصرونا
--> ( 1 ) حمراء الأسد : موضّع على ثمانية أميال من المدينة . « معجم البلدان 2 : 301 » . ( 2 ) في المصدر : أسيد ، وكذا في المواضع الآتية . ( 3 ) في « ي » : عزّال . ( 4 ) في « ي » : تسع مائة .